الغرب وحقوق الإنسان ... خطاب الهيمنة لا خطاب القيم

2026-01-13 / 01:29

Post image

فادي البرغوثي:

ليس الضجيج الغربي المثار حول ما يجري في إيران تعبيرًا عن صحوة ضمير، ولا انعكاسًا لالتزام مبدئي بحقوق الإنسان، بل هو امتداد طبيعي لسياسة إمبريالية قديمة تستخدم القيم بوصفها أدوات ضغط، لا بوصفها معايير أخلاقية ثابتة. فالمسألة، في جوهرها، ليست أوضاعًا داخلية ولا حقوق متقاعدين، بل موقع إيران في معادلة الصراع مع المشروع الغربي في المنطقة.

ولو كان الغرب صادقًا في خطابه الحقوقي، لكانت غزة اليوم هي مركز الاهتمام الأول. أكثر من واحد وسبعين ألف شهيد في حرب إبادة موثقة بالصوت والصورة، قصف منهجي للمستشفيات والمدارس، تدمير متعمد للبنية التحتية المدنية، واستخدام التجويع والحصار كسلاح حرب. كل ذلك جرى أمام أعين العالم، من دون أن يتحرك النظام الدولي  ومركزة الغرب القائم على قواعد لم تُصمَّم يومًا لتقييد القوة، بل لتبريرها.

لم يقتصر الموقف الغربي على الصمت، بل ارتقى إلى مستوى التواطؤ الكامل. فالولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وفروا للاحتلال الإسرائيلي الغطاء السياسي في مجلس الأمن، ومنعوا أي مسار للمحاسبة، واستمروا في تزويده بالسلاح الفتّاك، والذخائر المتطورة، وأنظمة القتل الجماعي. وهنا تسقط أي محاولة للفصل بين الفاعل والشريك؛ فالنتائج واحدة، والدم واحد، والمسؤولية واحدة.

وفي موازاة ذلك، يتجاهل الغرب سابقة خطيرة في العلاقات الدولية تمثلت في اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، في عملية أقرب إلى القرصنة السياسية والاقتصادية، هدفت إلى الاستيلاء على موارد دولة مستقلة خارج أي إطار قانوني. الجهة التي أمرت أو وفّرت الغطاء لهذا الفعل هي ذاتها التي تتصدر المشهد في الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان. هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل دليلًا على أن السيادة تُحترم فقط حين تخدم مصالح المركز الغربي، وتُداس بلا تردد حين تعيقها.

الأكثر فجاجة أن هذا الخطاب الحقوقي ينهار حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها. فحين خرجت مظاهرات واسعة تطالب بوقف حرب الإبادة على غزة، جرى قمعها وتشويهها. فُصل أساتذة جامعات لأنهم أعلنوا موقفًا أخلاقيًا، واعتُقل طلاب أو عوقبوا إداريًا لأنهم سمّوا الجريمة باسمها. تحولت الجامعات، التي يُفترض أنها فضاء للنقاش الحر، إلى ساحات ضبط سياسي، ما يؤكد أن حرية التعبير قيمة مشروطة، تُلغى فورًا حين تمسّ أحد أعمدة السياسة الخارجية الغربية، وعلى رأسها دعم الكيان الصهيوني.

في هذا السياق، يبدو الحديث الغربي عن حقوق الإنسان في إيران، أو عن أوضاع اجتماعية داخلية، ضربًا من النفاق السياسي. فالطرف الذي لم يرَ أطفال غزة تحت الأنقاض، ولم يسمع صرخات الجرحى في المستشفيات المقصوفة، ولا اعترف بإبادة جماعية مكتملة الأركان، لا يملك أي أهلية أخلاقية لإعطاء الدروس في العدالة أو الكرامة الإنسانية.

إن ازدواجية المعايير هذه تعتبر اساس النظام الدولي ومركزة الغرب الذي لم يكن يوما من الايام نظامًا قانونيًا محايدًا، بل نظام قوة تُفرض فيه القواعد على الضعفاء، ويُستثنى منها الأقوياء وحلفاؤهم. وفلسطين، منذ عقود، كانت ولا تزال الامتحان الكاشف لهذه الحقيقة. من سقط في هذا الامتحان لا يملك حق الادعاء الأخلاقي في أي ملف آخر.

من هنا، فإن ما يجري في إيران لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا الإطار. القضية ليست دفاعًا عن شعب أو حقوق، بل محاولة لإعادة فرض الهيمنة، واستخدام الخطاب الحقوقي كسلاح سياسي. أما فلسطين، فهي المعيار الفاصل بين الصدق والزيف، بين القانون بوصفه عدالة، والقانون بوصفه أداة سيطرة.

المعركة اليوم ليست عسكرية أو سياسية فحسب، معركة لكشف زيف الخطاب الغربي،  وفضح استخدام حقوق الإنسان بوصفها أداة ابتزاز، وإعادة تعريف الصراع بوصفه صراعًا بين مشروع إمبريالي لا يعترف بالقانون إلا حين يخدمه، وشعوب تسعى إلى السيادة والكرامة والاستقلال. ومن دون هذا الوعي، سيبقى كثيرون أسرى الوهم القائل إن المشكلة في هذا النظام أو ذاك، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في بنية الغرب  نفسه، الذي لم يعد قادرًا على إخفاء تناقضاته، مهما ارتفعت نبرة شعاراته