رمزية عدم استقبال السفير

2026-01-18 / 16:44

Post image

 

سهيل كيوان:

تحوّل بيت عزاء في الكرك إلى حدثٍ سياسي-اجتماعي، ربما جاء على غير توقّع من السفير الأميركي في الأردن، الذي أراد على ما يبدو أداء واجب مجاملةٍ اجتماعية لأهل الفقيد عبد الله زعل الضمور، رئيس بلدية الكرك الأسبق. غير أنّ أبناء الراحل رفضوا استقباله في بيت عزاء والدهم، وطلبوا منه مغادرة المكان فورًا.

وطبيعي أن يتصدّر خبرٌ كهذا مواقع التواصل الاجتماعي، وأن يثير جدلًا، بين من رأى في الموقف فعلًا وطنيًا وقوميًا وإنسانيًا شجاعًا، ينسجم مع سيرة الفقيد ومواقفه الداعمة لفلسطين، وبين من اعتبره خروجًا على أعراف العزاء وتسييسًا لمناسبة إنسانية يُفترض أن تبقى محايدة.

وزعم بعض المنتقدين أن ما جرى لا ينسجم مع "تقاليد العرب" التي توجب استقبال المعزّين بغضّ النظر عن مواقفهم السياسية. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية في العرف العربي نفسه، وهي أن التقاليد ليست طقوسًا جامدة، بل منظومة قيم، تكمل بعضها بعضًا، في مقدّمتها كرامة الفرد والعشيرة، ورفض الظلم، ونصرة المستضعفين، لا سيما إذا كانوا ذوي قربى. فلم يكن العزاء أو الفرح يومًا مساحة محايدة حين يتعلّق الأمر بدمٍ مسفوك أو عدوانٍ مباشر، بل كان في محطات مفصلية من تاريخ العرب ساحة لتأكيد الموقف الأخلاقي لا لتعطيله.

في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كانت أفراح شعبنا تتحول إلى تظاهرات وطنية من خلال الأغاني والأهازيج. وكان لا بد من وصلة من الأغاني الوطنية في أي فرح كان.

وكانت وما زالت الشخصيات الوطنية مرحّبًا بها في مناسباتنا، الفرح والكره. وكان بعض رجال السلطة يتخذون من المناسبات الاجتماعية فرصة لإظهار أنفسهم "كأصحاب واجب" لتبييض أنفسهم. كذلك فما زالت مشاركة الناس في أفراحها وأتراحها مناسبات لدخول قلوبهم.

الضيافة العربية تاريخيًا لم تكن مفروضة على من يُنظر إليه رمزًا للأذى أو شريكًا في جريمة، والعشيرة تملك، وفق أعرافها، حقّ رسم حدودها المعنوية داخل بيوتها ودواوينها. وعليه، فإن ما جرى هو موقف عروبي-عشائري أصيل، قدّم الكرامة على المجاملة، في زمنٍ أصبحت فيه الحيادية نفسها موضع مساءلة ومثيرة للشبهة.

السفير الأميركي في الأردن أو غيره ليس شخصًا عاديًا تربطه صداقة أو معرفة شخصية بالفقيد أو أسرته، بل هو ممثّل لنهج دولةٍ ونظام متشدد في عدائه وشريك مباشر في حرب الإبادة التي جرت في قطاع غزة ولما تتوقف بعد، إضافة إلى المواقف العدائية للشعوب العربية والاستهتار بمشاعرها وحقوقها.

استقبال السفير أي سفير يعني الرضا بسياسة دولته، ورفض استقباله هو موقف رافض لهذه السياسة وليس للإنسان نفسه.

هذا الموقف جاء ليؤكّد أن فلسطين ليست قضية خارجية، بل جزء من ذاكرة ووجدان الأردنيين والشعوب العربية مهما حاولت الأنظمة تجميل الموقف "المحايد"، وخصوصًا في ظل حرب الإبادة في قطاع غزة.

الكرك قلعة قومية عروبية ولها تاريخها العريق، وأنجبت الكثير من الشخصيات الثقافية والعسكرية الوطنية والقومية.

الراحل عبد الله زعل الضمور رئيس بلدية الكرك الأسبق كان واحدًا من أولئك النشامى الذين رأوا في فلسطين قضية عربية مركزية، واختبارًا أخلاقيًا للكرامة، ورفض باستمرار السياسات الأميركية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن الحياد في لحظات القتل والحصار ليس إلا انحيازًا مقنّعًا للظلم.

العشائر في الأردن، كما في فلسطين وسورية قبل الدولة وحدودها وتقسيمها السياسي، وتشكّل وعيها في فضاء المنطقة الواحد. عشائر امتدّت جذورها بين فلسطين إلى شرق الأردن وسورية وسيناء، وحتى العراق وكردستان.

حين يُقتل أهل غزة، وتُحرق قرى في الضفة الغربية، ويُشرَّد فلسطينيون من الأغوار، فإن الألم لا يتوقف عند الحدود السياسية، بل يعبر إلى شجرة العائلة والعشيرة.

البيان اللاحق الذي أصدرته عشيرة الضمور شدّد على احترام مؤسسات الدولة والأعراف الدبلوماسية، وفي الوقت نفسه أكّد أن القرار جاء بدافع أخلاقي ووجداني، وانسجامًا مع مواقف الفقيد في حياته.

في المحصّلة، ما جرى في بيت عزاء الضمور ليس حادثة معزولة، ولا سابقة بلا جذور، بل حلقة جديدة في تاريخ طويل من التداخل والمواقف حيث ظلّت فلسطين حاضرة لا بوصفها شعارًا، بل قضية قرابة وكرامة. وحين تعجز اللغة الدبلوماسية عن التعبير عمّا في الصدور، أو تتخذ مواقف "الحياد"، تتقدّم دواوين الشيوخ والرجال لقول كلمة حق في وجه سفير لدولة ظالمة.

(عرب 48)