هبة الداخل والتحرر من العجز وقبضة نفتالي بينيت
2026-01-23 / 12:23
عوض عبد الفتاح:
ليس التوقيع على تعهّد بإقامة القائمة البرلمانية المشتركة هو الأهم في مشهد الأمس، الخميس، في سخنين. ولا يجوز أن يغطي هذا التعهّد على التحوّل الجاري في المزاج الشعبي بسرعة قياسية، والذي بدأ يتحول إلى فعل مباشر على الأرض. هذا التحول انتظره شعبنا سنوات طويلة من غياب سياسات الشارع، طغى خلالها العمل البرلماني، غالبًا من دون ضوابط سياسية وطنية، ومن دون أي تأثير حقيقي في قرارات الحكم. وغياب التأثير، ببساطة، سببه غياب الفعل الشعبي، وتقويض السياسة، واختزالها في مطالب حقوق مدنية وصفقات مقايضة ساهمت فيها قيادات سياسية نافذة تحت ضغط اللحظة الحرجة، أو لغياب عمود فقري لديها.
اليوم، بدأ الشارع يستعيد زخمه، وهو زخم يفترض أن يُرفد بفعل سياسي حقيقي، يستند إلى تجميع الناس حول موقف وطني جامع ورؤية سياسية تحررية؛ رؤية تحرر أذهاننا من التشوهات الخطيرة التي ترسخت فيها، حتى بات التحالف مع المستوطنين يُقدَّم كملاذ وطريق خلاص، وبات التخلّي عن الواجب السياسي تجاه شعبنا يُسوَّق كواقعية وحكمة، وباتت الاستهلاكية والفردانية والانزواء في البيوت نجاة أو نجاحًا، إلى أن تبيّن أن هذا ليس إلا وهمًا قاتلًا.
نعم، إن توقيع منصور عباس على هذا التعهّد يشكّل ثمرة رمزية من ثمار الهبّة التي تتفاعل منذ بداية الأسبوع، وصولًا إلى المظاهرة الأكبر في تاريخ الحراكات والهبات الشعبية لفلسطينيي الداخل. وبعيدًا عن الموقف المبدئي أو التكتيكي من انتخابات الكنيست، فإن هذا التعهّد يوفّر فرصة حقيقية لمنصور عباس وحركته للتحرر من قبضة نفتالي بينيت وتأثيره "السحري". إنها فرصة أمام القائمة الموحدة للعودة إلى العمل الجماعي، واستعادة قدر من الرشد السياسي.
من شأن ذلك أن يساهم بجدية في تخفيف التوترات الداخلية والمشاحنات التي خلّفت آثارًا وندوبًا عميقة، عطّلت إمكانيات النهوض الوطني، وضيّعت على مجتمعنا وقتًا ثمينًا كان يمكن استثماره في عمل جدي وبنّاء. وبالطبع، فإن بقية الأحزاب ليست معفاة، وإن بدرجات متفاوتة، من المسؤولية عن الأزمة العميقة التي تعيشها الساحة الفلسطينية في الداخل.
لكن الأهم من كل ذلك هو السؤال المركزي: كيف نُجسِّر بين هذا الحراك الشعبي الصاعد من تحت، وبين أداء الهيئات التمثيلية؟ كيف نحول الزخم الشعبي المتشكل إلى ركائز ثابتة في الميدان؟ وكيف نمضي قدمًا في مواجهة منظومة الإجرام ومن يرعاها ويحميها؟
هذه الهبّة جاءت من تحت، ولم تأتِ من فوق، على خلاف ما جرى في هبة الكرامة عام 2021، مع اختلاف المضامين والسياق، رغم أن مصدر الغضب في الحالتين واحد: نظام أبرتهايد إبادي، يعتمد آليات متعددة للسيطرة والمحو تجاه كل تجمع فلسطيني. داخل الخط الأخضر، وبحكم الضوابط القانونية، يلجأ هذا النظام إلى أساليب أكثر خبثًا لممارسة الإبادة المجتمعية التدريجية، وتشكل رعاية الإجرام المنظّم ضد من يحملون المواطنة الإسرائيلية جزءًا بنيويًا من هذه الاستراتيجية.
لقد أوجد المشروع الصهيوني الكولونيالي واقعًا فلسطينيًا مجزّأً، جغرافيًا واجتماعيًا. وداخل الخط الأخضر نشأ واقع سياسي معقّد، ربما أكثر تعقيدًا من واقع بقية التجمعات الفلسطينية، رغم أننا أقلها خسارة في الأرواح. وبعد أن تبيّن فشل سياسات التحكم والضبط السابقة، أُضيفت إليها استراتيجية خبيثة جديدة: خلق واقع اجتماعي أكثر تفككًا وخطورة، يُوجَّه فيه العنف مباشرة إلى الأفراد، ويُهدَّد به الجميع، كي نبدو وكأننا نقتل بعضنا بعضًا لأسباب ثقافية أو داخلية.
من هنا، جاءت هذه الهبّة لتؤكد، بلا لبس، أن هذا المجتمع، حين يبلغ السيل الزُّبى، قادر على تعرية تزييف سلطة الأبرتهايد، واستعادة عناصر قوته وروحه، وإبراز كل ما هو أصيل وجميل فيه.
في المظاهرة العارمة وإضراب الخميس، تجلت وحدة مجتمعية لا سياسية فحسب، وهي وحدة أصدق وأعمق. الجديد أن الناس باتوا يشاركون مباشرة في صياغة الخطوات القادمة، بل سبقوا القيادات إليها. وهنا تحديدًا يكمن التحدي: كيف نمضي من هنا؟
المعركة القادمة ليست سهلة. الإجرام بات ممأسسًا، ونحن في مواجهة نظام قاتل، مرتاح ومغتبط لأن العنف الداخلي يخفف عنه خطر الانتفاضات الشعبية والسياسية، ويتيح له نهب المزيد مما تبقى من الأرض، ويُسهِم في تقليص الوجود الديمغرافي العربي عبر بث الذعر ودفع الناس إلى الهجرة القسرية المقنّعة.
من هنا، لا بد من الانتقال من الغضب المشروع إلى التنظيم الواعي.
إن مواجهة منظومة الإجرام لا يمكن أن تُترك للأجهزة الرسمية وحدها، ولا أن تُختزل في مطالب شرطية. المطلوب هو بناء قوة مجتمعية منظمة، تستند إلى اللجان الشعبية المحلية، وتعمل وفق رؤية واضحة وأدوات عملية، من بينها:
- إعادة بناء اللجان الشعبية على أساس تمثيلي واسع، يشمل ناشطين اجتماعيين، قيادات محلية، تربويين، نساء وشباب، ومنابر ثقافية وأكاديمية، بعيدًا عن الحزبية الضيقة، وبصلاحيات واضحة ومسؤوليات محددة.
- تشكيل لجان أحياء دائمة، لا موسمية، تكون قريبة من الناس، ترصد بؤر العنف، وتعمل على حل النزاعات، وتمنع عزل الأفراد والعائلات عن محيطهم الاجتماعي.
- بناء شبكات حماية مجتمعية، تقوم على التضامن الفعلي مع العائلات المهددة، ورفض ترك أي فرد وحيدًا في مواجهة التهديد والابتزاز، لأن العزلة هي السلاح الأهم بيد الإجرام.
- تنظيم حملات شعبية متواصلة، تشمل الإضرابات، المظاهرات، وأشكال العصيان المدني المدروس، لفضح تواطؤ المؤسسة الرسمية مع الإجرام، وربط العنف الداخلي بسياسات إسرائيل البنيوية.
- الاستثمار في الوعي والتربية السياسية، عبر المدارس، الأطر الشبابية، والإعلام المحلي، لتفكيك الرواية التي تجرّم الضحية وتبرّئ النظام، ولترسيخ فهم الإجرام كأداة استعمارية لا كظاهرة ثقافية.
- خلق تنسيق قطري بين اللجان الشعبية، يضمن تبادل الخبرات، وتوحيد الخطاب، ومنع تفكيك كل بلدة على حدة.
إن ما نشهده اليوم ليس لحظة عابرة، بل مفترق طرق. إما أن تتحول هذه الهبّة إلى نقطة انطلاق لبناء قوة مجتمعية منظمة، أو تُستنزف تدريجيًا. الرهان الحقيقي ليس فقط على الشارع، بل على قدرته على التنظيم، وعلى تحويل الغضب إلى مشروع تحرري يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي: أداة جماعية للدفاع عن الحياة والكرامة والوجود.
(عرب 48)