غزة… حين يكتشف "رئيس العالم" أن للتاريخ كلمة أخيرة

2026-01-23 / 14:28

Post image

 

 

المهندس غسان جابر:

 

لا تبدأ الحكاية من دونالد ترامب، ولا تنتهي عنده.ترامب مجرد فصلٍ صاخب في كتاب قديم اسمه: غزة.

هذه المدينة لا تُقرأ على الخريطة، بل في هوامش التاريخ، حيث تسقط الجيوش لا بالهزيمة، بل بالإنهاك، وحيث تنكسر المشاريع لا بالقوة المضادة، بل بانكشاف المعنى. غزة ليست مدينة صدام مباشر، بل مدينة امتحان. كل من دخلها ظنّ أنه قادر على تجاوزها بسرعة، فإما توقف طويلًا، أو خرج وهو أقل يقينًا مما دخل.

منذ أكثر من أربعة آلاف عام، كانت غزة عقدة الطريق بين مصر وبلاد الشام، ومفتاح التجارة والحرب معًا. لهذا لم تُترك وشأنها يومًا. المصريون القدماء سيطروا عليها طويلًا، لا حبًا بها، بل خوفًا منها. ثم جاء الفلسطينيون الأوائل، وجعلوها عاصمة سياسية وعسكرية، قبل أن تُسقط الكيانات الكنعانية في صراع أكبر من قدرتها.

ثم جاء الآشوريون، فرضوا الجزية، ولم يستقروا. البابليون دمّروا، ولم يطمئنوا. الفرس حكموا، ولم يرسخوا. كل قوة مرّت من هنا تركت شيئًا من غرورها، وكأن غزة لا تسمح لأحد أن يعبرها كاملًا.

 

الإسكندر الأكبر… حين علّمت غزة أعظم القادة معنى التأخير

الإسكندر الأكبر لم يكن قائدًا عاديًا. كان مشروعًا كونيًا متحركًا. لم يعرف الهزيمة، ولم يعترف بالتوقف. لكنه حين وصل إلى غزة عام 332 قبل الميلاد، اصطدم بحقيقة لم تكن في حساباته: مدينة محصنة في أرض رملية، يقود دفاعها حاكم عنيد اسمه باتيس، بجنود عرب مرتزقة يعرفون الأرض ويؤمنون بها.

خمسة أشهر من الحصار. خمسة أشهر من محاولات فاشلة، وأنفاق تنهار، وآلات حصار تُنقل من صور، وكتف الإسكندر نفسه ينزف. وحين سقطت غزة أخيرًا، لم يسقط معها عنادها. دمّرها الإسكندر، قتل أهلها، باع من بقي عبيدًا، وسحل باتيس حتى الموت. لكنه، في لحظة نادرة، لم يخرج مزهوًا. خرج حذرًا.

غزة لم تهزمه، لكنها أخّرته. والتاريخ يعرف أن التأخير، في حياة الإمبراطوريات، بداية الانحدار.

 

من عكّا إلى غزة… المدن الصغيرة التي تكسر الغطرسة

بعد قرون، جاء نابليون بونابرت إلى الشرق. قائد أوروبا، فاتح المعارك، ظن أن الشرق نسخة أخرى من القارة العجوز. وصل إلى عكّا، مدينة صغيرة محاصَرة، لكنها أوقفت مشروعه. لم تسقط عكّا، وسقط نابليون بعدها، لا فورًا، بل تدريجيًا. منذ تلك اللحظة، لم يعد "الذي لا يُقهر".

التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنه يُشبه نفسه. المدن الصغيرة لا تُسقط القادة وحدها، لكنها تُسقط أوهامهم. وغزة، منذ آلاف السنين، تؤدي هذا الدور بإتقان صامت.

 

ترامب… حين يختلط المنصب بالعالم

دونالد ترامب لا يتصرف كرئيس دولة فقط، بل كأن العالم شركة متعثرة وهو مديرها التنفيذي. يتحدث عن أوروبا بلهجة الوصي، وعن أمريكا اللاتينية كحديقة خلفية، وعن الشرق الأوسط كملف يمكن إعادة ترتيبه بجملة واحدة.

مشكلته ليست في القوة، بل في الفكرة، فكرة أن العالم يمكن إدارته بلا قانون، وبلا أخلاق، وبلا ذاكرة. يرفع شعار "أمريكا أولًا"، لكنه يتصرف كأن الجميع في آخر الصف.

هنا تدخل غزة المشهد، لا كقضية إنسانية فقط، بل كمرآة سياسية. غزة كشفت التناقض الفادح بين الخطاب الأمريكي عن القيم، والممارسة الفعلية على الأرض. لم تعد الحرب هناك مجرد خبر، بل صارت سؤالًا يوميًا: كيف يمكن تبرير هذا كله؟

ترامب اعتاد أن تكون الأزمات فرصًا. لكن غزة تحولت إلى عبء. لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن حسمها، ولا يمكن تبريرها بسهولة. وكل يوم يمر، يتآكل شيء من صورته، ومن السردية التي بناها عن الحسم والقوة.

 

نصيحة من التاريخ: احذروا السلام حين يولد بلا عدالة

في لحظات الانكشاف، تظهر دائمًا أفكار براقة: مجالس سلام، أطر دولية جديدة، مبادرات كبرى. المشكلة ليست في الفكرة، بل في السياق. كثير من مشاريع "السلام" عبر التاريخ لم تكن سوى إعادة إنتاج للهيمنة، لكن بلغة ناعمة.

السلام الذي لا يمر عبر العدالة، ليس سلامًا، بل هدنة طويلة للظلم. وغزة، إن كانت قد علّمتنا شيئًا، فهو الشك في كل مشروع لا يبدأ بالاعتراف بالحق، ولا ينتهي بالمحاسبة.

النصيحة البسيطة التي يقدمها التاريخ، لا تجعلوا السلام بديلاً عن العدالة، ولا تجعلوا العدالة مؤجلة باسم الواقعية.

 

هل يمكن لغزة أن تكون سبب سقوط ترامب؟

السقوط السياسي لا يأتي ببيان عاجل. يأتي بتراكم بطيء: فقدان شرعية، تصدع تحالفات، تحوّل الملفات الرابحة إلى عبء انتخابي. غزة تقوم بهذا الدور بهدوء قاتل.

في الداخل الأمريكي، يتغير المزاج. الجامعات تحتج، الإعلام ينقسم، الأسئلة التي كانت محرّمة تُطرح. إسرائيل لم تعد ملفًا مريحًا، وغزة لم تعد بعيدة. وترامب، الذي بنى صورته على الحسم، يبدو عاجزًا عن إنهاء حرب لا يريد أن يسميها حربًا.

إذا سقط ترامب، فلن يكون لأن غزة أسقطته وحدها، بل لأن غزة كشفت ما لا يريد أن يُرى.

 

اليوم التالي… ماذا بعد ترامب؟

عالميًا، لن يصبح العالم أكثر عدلًا فجأة. لكن سيسقط وهم خطير: وهم "الرجل-العالم". ستعود السياسة الدولية إلى شيء من التوازن الحذر، ولو مؤقتًا.

فلسطينيًا، لن تأتي المعجزة غدًا، لكن سيسقط وهم أخطر: وهم أن غزة بلا تأثير. غزة أثبتت، مرة أخرى، أنها ليست هامش القضية، بل قلب اختبارها الأخلاقي.

نقول: غزة لا تطلب أن تحكم العالم، ولا أن تُلقي الدروس على أحد.

هي تفعل شيئًا واحدًا فقط، تجبر الأقوياء على النظر في المرآة.

ومن لا يعجبه ما يرى…يبدأ بالسقوط.

وكما قال المسيح عليه السلام، "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه"؟

وغزة… هي السؤال الذي لا يسمح للعالم أن يربح نفسه بالكذب.