معبر اللنبي/الكرامة: التكييف القانوني والمسؤوليات

2026-01-25 / 11:41

Post image

طاهر تيسير المصري:

يُعد معبر اللنبي/الكرامة، المعروف دوليا بجسر الملك حسين، المعبر البري الوحيد المخصص لعبور الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية إلى خارج الإقليم، وهو بذلك يشكل منفذاً حيوياً لا غنى عنه لممارسة الحق في حرية الحركة والتنقل لفئة سكانية محرومة من أي بديل واقعي. غير أن هذا المعبر لا يمكن النظر إليه بوصفه مرفقاً إدارياً محضاً أو نقطة عبور تقليدية، بل يمثل فضاءً قانونياً مركباً تتقاطع فيه قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وتُختبر فيه بصورة يومية حدود الولاية القانونية ومسؤولية أطراف متعددة، في ظل نظام سيطرة واختصاصات متداخلة تشترك فيها "إسرائيل" بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، والأردن ضمن ولاية وظيفية جزئية، مقابل غياب شبه كامل لأي سيطرة فعلية للسلطة الفلسطينية على تنظيمه أو إدارته. وسيُستخدم في هذا المقال مصطلح "معبر اللنبي/الكرامة" بوصفه التعبير القانوني الأدق عن هذا الواقع المُركب.

يثير الوضع القانوني لهذا المعبر إشكالية تتجاوز الوصف الإداري أو التداول السياسي، وتمس جوهر قواعد القانون الدولي العام، ولا سيما تلك المتعلقة بالسيادة الإقليمية وحدود الدول وأثر الاحتلال العسكري على المركز القانوني للأراضي والمعابر، إضافة إلى ما يترتب على ذلك من مساس مباشر بالحقوق الأساسية للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وفي مقدمتها الحق في حرية الحركة والتنقل. وتكمن أهمية هذه الإشكالية في التساؤل حول ما إذا كان يمكن توصيف معبر اللنبي/الكرامة كمعبر دولي بالمعنى القانوني الدقيق، أم أنه يشكّل حالة قانونية استثنائية ذات طبيعة خاصة ناتجة عن واقع الاحتلال العسكري المستمر منذ عام 1967، وما إذا كانت القيود المفروضة على عمله، وبخاصة ساعات تشغيله، تتوافق مع الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الأطراف المعنية بموجب القانون الدولي.

وفق ما استقر عليه الفقه الدولي والممارسة الدولية، يفترض المعبر الدولي وجود حدود دولية قائمة بين دولتين ذواتي سيادة، وممارسة كل دولة سيادتها الكاملة على إقليمها، بما في ذلك تنظيم الدخول والخروج وفق أنظمتها السيادية للهجرة والجمارك، وذلك استناداً إلى اتفاق دولي يعكس إرادة قانونية متبادلة بين أطراف تتمتع بشخصية دولية كاملة. وبناءً عليه، فإن أي توصيف قانوني لمعبر اللنبي/الكرامة يجب أن ينطلق ابتداءً من فحص الطبيعة القانونية للأرض التي يقع عليها، ومدى توافر عنصر السيادة الإقليمية عليها.

ومن الثابت قانوناً، بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، وآراء محكمة العدل الدولية، وقواعد القانون الدولي الإنساني، أن الضفة الغربية، بما فيها المنطقة التي يقع فيها هذا المعبر، تُعد أرضاً محتلة تخضع لأحكام لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وتبعاً لذلك، فإن "إسرائيل"، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، لا تملك أي سيادة قانونية على هذه الأرض، ولا يجوز لها، وفق مبدأ مستقر في القانون الدولي، أن تُنشئ من خلال الاحتلال وضعاً قانونياً دائماً، أو أن تغيّر الطابع القانوني للإقليم المحتل، أو أن تتصرف فيه تصرف صاحب السيادة. فالاحتلال العسكري، مهما طال أمده، لا ينقل السيادة ولا يُنشئ حدوداً دولية جديدة.

وعليه، فإن السيطرة الإسرائيلية على معبر اللنبي/الكرامة، بما في ذلك إجراءات التفتيش والتنظيم الأمني، لا يمكن تفسيرها قانوناً على أنها مظهر من مظاهر السيادة، بل هي سيطرة فعلية مؤقتة تستمد أساسها من واقع الاحتلال، وتخضع من حيث مشروعيتها لقيود الضرورة العسكرية والتناسب وعدم التمييز، كما تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني. ولا يغير من هذه الحقيقة استخدام مصطلحات إدارية أو أمنية توحي بوجود "حدود"، إذ إن التوصيف القانوني لا يُستمد من التسمية، بل من طبيعة السلطة الممارسة ومصدرها القانوني.

كما أن اتفاقيات أوسلو، رغم كونها اتفاقيات انتقالية ولم تُنشئ دولة فلسطينية ذات سيادة، إلا أنها كرست اعترافاً دوليا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني، ونظّمت مسألة حركة الأشخاص والمعابر باعتبارها ترتيبات مؤقتة لا تمس الوضع القانوني النهائي للأراضي المحتلة. وقد جرى التعامل مع معبر اللنبي/الكرامة في إطار هذه الاتفاقيات بوصفه منفذاً خارجياً للفلسطينيين إلى العالم الخارجي، لا بوصفه معبراً حدودياً سيادياً لإسرائيل، وهو ما يؤكد أن دوره الوظيفي لا يرتقي إلى مستوى المعبر الدولي الكامل.

أما معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية لعام 1994، فقد حددت بوضوح الحدود الدولية المعترف بها بين الدولتين، وأنشأت معابر دولية رسمية تخضع للسيادة الكاملة للطرفين، مثل معبر الشيخ حسين ومعبر وادي عربة. غير أن هذه المعاهدة لم تُدرج معبر اللنبي/الكرامة ضمن تلك المعابر، وهو استثناء قانوني مقصود يعكس إدراك الطرفين لحقيقة أن هذا المعبر يربط الأردن بأرض محتلة لا تخضع للسيادة الإسرائيلية، وأن إدراجه كمعبر دولي كان سيُفضي إلى إضفاء طابع سيادي غير مشروع على وضع قانوني مؤقت تحكمه قواعد الاحتلال.

ولا ينفصل هذا التكييف القانوني عن الحق في حرية الحركة والتنقل، بوصفه حقاً أساسياً مكفولاً بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن الحماية الخاصة المقررة للأشخاص المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. فهذا الحق لا يجوز تقييده إلا استثناءً، ووفق شروط صارمة تتمثل في أن يكون القيد منصوصا عليه في القانون، وضروريا لتحقيق غاية مشروعة، ومتناسبا مع تلك الغاية، وغير تمييزي في تطبيقه، وألا يمس جوهر الحق أو يحوّله إلى امتياز مشروط بإرادة السلطة القائمة بالاحتلال.

وفي سياق الاحتلال العسكري، تلتزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان الحياة الطبيعية للسكان المدنيين قدر الإمكان، ولا يجوز لها فرض قيود عامة أو منهجية على حرية الحركة بذريعة الأمن ما لم تكن تلك القيود مؤقتة، ومحددة، ومرتبطة بضرورة عسكرية حقيقية يمكن إثباتها. وقد استقر الفقه الدولي على أن القيود الجماعية والدائمة على الحركة تُعد في حد ذاتها دليلا على عدم التناسب، وعلى تحول الإجراء من تدبير أمني استثنائي إلى سياسة عامة تنتهك حقا أساسيا.

وبالنظر إلى أن معبر اللنبي/الكرامة يُعد المنفذ الخارجي الرئيسي، بل شبه الوحيد، لسكان الضفة الغربية إلى العالم الخارجي، فإن أي تقييد لساعات عمله لا يمكن اعتباره إجراءً تنظيميا محايدا، بل يشكّل مساسا مباشرا وجماعيا بالحق في حرية التنقل، ويؤثر بصورة عميقة على ممارسة الفلسطينيين لحقوق أخرى وثيقة الصلة به، مثل الحق في العلاج والتعليم والعمل والعبادة ولمّ شمل الأسرة والمشاركة في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية. فالإغلاقات الطويلة أو غير المتوقعة، وتقليص أيام العمل، تؤدي عمليا إلى تعطيل هذا الحق وإفراغه من مضمونه.

ولا يمكن تبرير تنظيم ساعات عمل المعبر على هذا النحو باعتباره إجراءً متناسبا، طالما أنه يُفرض بصورة عامة دون تمييز فردي، ودون وجود حالة طوارئ استثنائية ومؤقتة، ودون توفير بدائل فعالة تمكن من ممارسة الحق بالحد الأدنى المقبول. كما أن التعامل مع المعبر وكأنه معبر حدودي سيادي يخضع لإرادة الاحتلال المنفردة يتعارض مع طبيعته القانونية كنقطة عبور خاضعة لنظام الاحتلال، حيث تكون الأولوية القانونية لتسهيل حركة السكان المحميين لا لتقييدها.

ويزداد هذا الانتهاك وضوحا في ضوء الطابع التمييزي والانتقائي في تنظيم العبور، سواء من حيث الفئات المسموح لها بالمرور، أو الإجراءات الزمنية، أو الامتيازات الممنوحة لطرف دون آخر، بما يتعارض مع مبدأ عدم التمييز، أحد الركائز الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويحول تنظيم الحركة إلى أداة للسيطرة والضغط لا إلى إجراء إداري مشروع.

ومن منظور القانون الدولي العام، لا يمكن النظر إلى ما يجري على معبر اللنبي/الكرامة باعتباره مسألة إسرائيلية خالصة، إذ إن الأردن طرف فاعل قانونيا في تنظيم وإدارة هذا المعبر ضمن نطاق اختصاص وظيفي فعلي. فالمسؤولية الدولية لا تقوم فقط على السيطرة العسكرية الكاملة، بل تمتد إلى ممارسة الاختصاص الإداري أو التنظيمي، أو المشاركة في نظام يُنتج انتهاكات ممنهجة للحقوق الأساسية. وبوصفه دولة طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يلتزم الأردن باحترام وحماية الحق في حرية الحركة وعدم التمييز في أي سياق يمارس فيه سلطة فعلية، ولو بصورة جزئية أو مشتركة.

ويُضاف إلى ذلك ما يرد على نحو متكرر من شكاوى وشهادات متطابقة لمسافرين فلسطينيين بشأن ممارسات فردية تصدر عن بعض العاملين أو المتعاملين على الجانب الأردني من المعبر، وتشمل طلب أو قبول مبالغ مالية غير مشروعة لتيسير العبور أو تسريعه، إلى جانب سلوكيات لفظية مهينة، من قبيل الشتائم أو المعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية. وإن هذه الممارسات، وإن نُسبت إلى أفراد ولا يمكن تعميمها على الجهاز الإداري ككل، إلا أنها تكتسب أهمية قانونية خاصة عندما تتكرر في سياق واحد، وفي مرفق عام يخضع لاختصاص الدولة، ودون وجود آليات فعالة للرقابة والمساءلة. فالقانون الدولي لحقوق الإنسان لا يكتفي بامتناع الدولة عن ارتكاب الانتهاك مباشرة، بل يحمّلها التزاما إيجابيا بمنع الأفعال التعسفية، والتحقيق فيها، ومساءلة مرتكبيها، وضمان عدم تحول حرية الحركة إلى مسار يُدار بالرشوة أو الإذلال. ويُعد التغاضي عن هذه الممارسات، أو عدم التصدي لها بجدية، إخلالا بواجب الدولة في حماية الكرامة الإنسانية وضمان المساواة أمام المرافق العامة، ولا سيما في حالة أشخاص لا يملكون أي بديل واقعي لممارسة حقهم في التنقل.

وفي المقابل، تتمتع السلطة الفلسطينية بشخصية قانونية وظيفية، وتبقى ملزمة باحترام حقوق الإنسان ضمن نطاق ولايتها الفعلية. غير أن ولايتها القانونية على معبر اللنبي/الكرامة تكاد تكون منعدمة من حيث السيطرة المادية أو الإدارية، إذ لا تديره ولا تتحكم بساعاته أو بإجراءات العبور أو بالرسوم. وعليه، فإن مسؤوليتها، إن وُجدت، تظل محدودة وغير مباشرة، وتتمثل في واجبات إيجابية ممكنة، مثل التوثيق والمناصرة الدولية وعدم إضفاء شرعية على القيود المفروضة، لا في إدارة المعبر أو تنظيمه. ولا يجوز قانونا مساواة مسؤوليتها بمسؤولية قوة الاحتلال أو الطرف الذي يمارس اختصاصا فعليا، إذ إن الاحتلال لا ينقل عبء الحماية من القوة المحتلة إلى سلطة واقعة تحت هيمنتها.

وخلاصة هذا التحليل تفضي إلى أن معبر اللنبي/الكرامة لا يُعد معبرا دوليا بالمعنى القانوني السيادي، ولا يُشكل حدودا دولية، بل هو نقطة عبور ذات طابع دولي خاص، خاضعة لنظام قانوني استثنائي ناتج عن حالة الاحتلال العسكري. كما أن القيود المفروضة على عمله، وبخاصة ساعات التشغيل، تمثل انتهاكا مركبا للحق في حرية الحركة والتنقل، وإخلالا بالتزامات قائمة بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

وانطلاقا من ذلك، تقتضي المعالجة القانونية لهذا الوضع تفعيل التزامات واضحة على كل طرف ضمن حدود ولايته الفعلية. فإسرائيل، بوصفها قوة احتلال، ملزمة بإنهاء القيود التعسفية، وتوسيع ساعات العمل، وضمان العبور دون إذلال أو تمييز. ويُطلب من الأردن، ضمن ولايته الوظيفية، إعادة هيكلة نظام العبور بما يضمن الشفافية والتناسب وعدم التمييز، وضبط الرسوم، وتفعيل آليات رقابة ومساءلة فعالة لمنع أي شكل من أشكال الاستغلال أو المعاملة المهينة، والامتناع عن المشاركة في ترتيبات تُفضي إلى انتهاكات ممنهجة. أما السلطة الفلسطينية، فواجبها يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمة إلى تفعيل الحماية القانونية عبر التوثيق والمساءلة الدولية وعدم تطبيع القيود المفروضة.

وبهذا المعنى، فإن القانون الدولي لا يربط حماية الحقوق الأساسية بانتظار "تسوية سياسية شاملة"، بل يفرض احتراما فوريا للحقوق غير القابلة للتعليق، وفي مقدمتها حرية الحركة والكرامة الإنسانية، باعتبارها التزاما قانونيا قائما لا خيارا تفاوضيا.