المصير الوطني رهن الوصاية الدولية

2026-01-29 / 10:42

Post image

 

طاهر تيسير المصري:

 

من منظور القانون الدولي العام، يصعب التعامل مع ما يُسمى "اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة" باعتبارها امتدادا طبيعيا لمشروع السلطة الفلسطينية، أو تعبيرا عن ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير. فهي، في جوهرها، ترتيب إداري انتقالي نشأ في سياق استثنائي فرضته الحرب العدوانية، وتكثفت فيه ضغوط دولية لإدارة مرحلة ما بعد العدوان والإبادة الجماعية أكثر مما نشأ عن مسار سياسي وطني داخلي.

هذا النمط من الترتيبات معروف في الفقه الدولي، ويقع ضمن ما يُشار إليه بآليات الإدارة الانتقالية غير السيادية، التي تُعتمد عادة عندما يُراد ضبط إقليم متضرر أو احتواء أزمته، دون تمكين سكانه من ممارسة سيادة فعلية أو إعادة بناء نظامهم السياسي بحرية. وفي هذه الحالة تحديدا، لا تستمد اللجنة تفويضها من عملية سياسية فلسطينية جامعة، ولا من مسار دستوري أو انتخابي، بل من تفاهمات دولية صيغت خارج المجال الوطني الفلسطيني، ما يجعل مشروعيتها محصورة في بعدها الوظيفي المؤقت، لا في بعدها السياسي أو القانوني الكامل.

ومن زاوية القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، يمكن توصيف اللجنة بوصفها سلطة قائمة بالأمر الواقع، تتحمل التزامات مباشرة تجاه السكان المدنيين، تتصل بضمان الحد الأدنى من الحقوق والخدمات، واستمرارية عمل المرافق العامة، وتخفيف آثار الكارثة الإنسانية. غير أن هذا التوصيف، رغم ضرورته القانونية، لا يمنح اللجنة أي صفة سيادية أو تمثيلية، ولا يخولها التحدث باسم الفلسطينيين أو تقرير مستقبل قطاع غزة. فصلاحياتها، بطبيعتها، تنحصر في إدارة الضرورة وتنظيم الحياة اليومية، ولا تمتد إلى المجال السياسي أو تقرير المصير. ومع ذلك، فإن الإشكالية لا تكمن في هذا التحديد القانوني بحد ذاته، بل في السياق الذي وُضعت فيه اللجنة، وفي الإطار الدولي الذي جرى تقديمها ضمنه باعتبارها حلا "عمليا" لأزمة سياسية عميقة، لا مجرد إجراء مؤقت لتفادي الانهيار الكامل.

ويتضح المعنى السياسي الأوسع لهذا الترتيب عند النظر إلى ما يُسمى "مجلس السلام"، كما ورد في ميثاقه المنشور في المصادر الأمريكية. وتزداد الإشكالية تعقيدا إذا ما أُخذ في الحسبان أن هذا المجلس أُنشئ بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن، الأمر الذي يضفي عليه غطاءً من الشرعية الدولية الشكلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انسجامه مع جوهر قواعد القانون الدولي، ولا سيما تلك المتعلقة بحق تقرير المصير وبوضع الأرض الفلسطينية المحتلة. فالشرعية الإجرائية، في هذه الحالة، لا تُنتج تلقائيا شرعية سياسية أو قانونية بالمعنى الجوهري.

إذ لا يقدّم ميثاق المجلس إطارا استشاريا أو آلية تنسيق دولية تقليدية، بل يؤسس لكيان يتمتع بشخصية اعتبارية دولية وصلاحيات تنفيذية واسعة، تشمل التحكم بالتمويل، وإبرام العقود، وإنشاء أو حل كيانات تابعة، وتوجيه البرامج، وفرض قرارات تنفيذية، مع تركيز لافت للصلاحيات في يد رئيس المجلس. هذا البناء القانوني يضع المجلس عمليا في موقع متقدم على الهياكل المحلية، ويمنحه هامش حركة واسعا يتجاوز، في التطبيق، المرجعيات القانونية الناظمة لحالات الاحتلال والنزاعات المسلحة، ويقلص من قدرة الفلسطينيين على التأثير في السياسات التي تُصاغ باسمهم.

في هذا السياق، لا تبدو العلاقة بين اللجنة الوطنية لإدارة غزة ومجلس السلام علاقة تنسيق أو شراكة متكافئة، بل علاقة تبعية وظيفية واضحة، يتمركز فيها القرار السياسي والاقتصادي الفعلي خارج الإقليم، فيما تُختزل اللجنة في دور الأداة التنفيذية المحلية. هذا النمط من الإدارة بالوكالة يعيد إنتاج نموذج إدارة دولية غير مباشرة، تُمنح فيه الهياكل المحلية غطاءً وطنيا شكليا، بينما تُحدد الأولويات والسياسات وفق اعتبارات الدول الراعية للمجلس. والنتيجة لا تقتصر على تجريد اللجنة من أي مضمون سيادي، بل تمتد إلى إعادة تعريف معنى الإدارة الفلسطينية نفسها، بحيث تُختزل في إدارة الخدمات والاستقرار، لا في إدارة مشروع وطني تحرري.

ولا تتوقف الآثار السياسية لهذا النموذج عند حدود قطاع غزة، بل تمتد إلى مجمل النظام السياسي الفلسطيني. فوجود مجلس دولي يتمتع بهذه الصلاحيات، ويتحرك بتمويل طوعي وانتقائي، يفتح الباب أمام توجيه الدعم والمشاريع نحو مناطق أو كيانات بعينها، ويُعيد إحياء منطق "النماذج التجريبية للسلام". ويجب التأكيد أن هذا التحليل لا يتعارض بأي شكل مع حق مواطني قطاع غزة في العيش الكريم والآمن، بل على العكس، يسعى إلى استقراء الواقع السياسي والقانوني بطريقة تعكس الثمن الباهظ الذي دفعته غزة على طريق ممارسة الشعب الفلسطيني ككل حقه في تقرير المصير. فالفحص النقدي للترتيبات الإدارية والدولية لا يقلل من أولويات توفير الأمن، والخدمات الأساسية، والحياة الكريمة، بل يضع هذه الاحتياجات في سياقها الصحيح، حيث يمكن أن تتحول الحلول المؤقتة إلى واقع دائم يقيد قدرة الفلسطينيين على حماية حقوقهم الأساسية وتحقيق السيادة على أرضهم.

ومن هنا يبرز تخوف جدي من أن تتحول تجربة اللجنة في قطاع غزة إلى نموذج قابل للتعميم في الضفة الغربية، سواء عبر تسميات مختلفة أو ترتيبات مشابهة، بما يؤدي عمليا إلى تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات إدارية منفصلة، تُدار كل منها بمعزل عن الأخرى، وبعيدا عن أي أفق سيادي جامع. كما أن تجاوز السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في تصميم وتنفيذ هذه الترتيبات يضعف دورهما التمثيلي، ويحول المؤسسات الوطنية إلى أطراف متلقية أو متكيفة مع وقائع تُفرض من الخارج، بدل أن تكون مرجعية ناظمة لها.

هنا يفرض السؤال نفسه، ليس فقط حول كيفية قبول هذا المسار، بل حول منطق القبول ذاته، وحدود الصمت أو التكيّف التي رافقته. فغياب منظمة التحرير الفلسطينية عن موقع المرجعية الحاكمة لهذه اللجنة، وعدم كونها إطارا ناظما لعلاقتها بالمجلس الدولي، لا يمكن التعامل معه كتفصيل إجرائي. صحيح أن المشهد يعكس قدرا من الإنهاك السياسي، والضعف البنيوي، وغياب البدائل الجاهزة، والخشية من الفراغ الكامل في قطاع مدمر، إلا أن هذا السياق، مهما كان مفهوما، لا يعفي الفاعلين الفلسطينيين من مسؤولية التفكير النقدي في النتائج بعيدة المدى لهذا القبول، ولا من مساءلة المسار الذي يُحوّل الترتيبات الانتقالية إلى مسارات مفتوحة بلا نهاية واضحة لها.

في الجوهر، لا يتعلق الأمر فقط بإدارة ظرف طارئ فرضته الحرب العدوانية، بل بما قد يترتب على هذا المسار من إعادة تعريف ضمنية لمعنى تقرير المصير نفسه. فحين يُتعامل مع هذا الحق كمسألة خدمات يومية وإعادة إعمار، لا كونه حقا قانونيا وسياسيا مرتبطا بالسيادة والقرار المستقل، يصبح تقرير المصير حقاً مُعلقا ومؤجلاً من دون أفق زمني أو شروط واضحة. ومع الوقت، قد يُقدم هذا النموذج باعتباره الخيار الواقعي الوحيد المتاح، ويجري التعايش معه لا كحل مؤقت، بل كصيغة حكم قابلة للاستدامة، عندها، يفقد المشروع الوطني جوهره السياسي تدريجيا، ويتحول من قضية تحرر وحقوق إلى ملف إدارة واستقرار، تُقاس نجاحاته بعدد المشاريع وحجم التمويل، لا بمدى اقترابه من إنهاء الاحتلال والوصل إلى الحق في تقرير المصير.

وعليه، لا يكمن التحدي الحقيقي فقط في وجود اللجنة بحد ذاتها، ولا في أي تدخل دولي محدود من حيث المبدأ، بل في غياب إطار وطني جامع يضع حدودا سياسية وقانونية واضحة لهذا التدخل، ويعيد التأكيد على أن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تكون خاضعة لإرادة فلسطينية موحدة، ومحددة بسقف زمني صريح، ومرتبطة باستعادة وحدة النظام السياسي والأرض الفلسطينية. دون ذلك، يتحول الصمت أو التكيّف، مهما كانت دوافعه، إلى مساهمة غير مباشرة في ترسيخ واقع قانوني وسياسي جديد، يُدار فيه الفلسطينيون بدل أن يحكموا أنفسهم، ويُطلب منهم التعايش مع إدارة مؤقتة تتحول، تدريجيا، إلى وضع دائم. وهو واقع يساهم عمليا في خدمة "إسرائيل" وطموحاتها في إضعاف الشعب الفلسطيني مادياً ومعنوياً وصولاً إلى حرمانه من حقه في العودة وتقرير المصير.