اتفاق سخنين... المشتركة كورقة مساومة

2026-01-30 / 10:39

Post image

 

سليمان أبو ارشيد:

ذكرني مشهد "رفع الأيادي" مع منصور عباس في جلسة المتابعة التي عقدت في بلدية سخنين، حيث جرى إظهاره بمظهر "المسيح المخلص" وتتويجه كـ"بطل قومي"، بعد أن كان قبلها بيوم واحد يجري للحاق بـ"الدبابة" التي يستقلها بينيت ولبيد وأيزنكوت، ذكرني هذا المشهد بمشهد رفع عبد الوهاب دراوشة على الأعناق في مظاهرة الناصرة عام 1988 إثر إعلان الأخير عن انسحابه من حزب العمل، احتجاجا على السياسة القمعية التي انتهجها "وزير دفاعه"، إسحاق رابين، ضد الانتفاضة الأولى والتي عرفت بسياسة "تكسير العظام".

لكن قد تستوجب منا هذه المقارنة منا الاعتذار لدراوشة الذي كان قد اتخذ في حينه خطوة إيجابية جريئة، تمثلت بالخروج من وحل مستنقع الأحزاب الصهيونية، ليؤسس أول حزب عربي مستقل ويكسر تابو إسرائيلي على إقامة أحزاب عربية "خالصة"، وذلك رغم كل تحفظاتنا على "الحزب الديمقراطي العربي".

هذا في حين قام منصور عباس بخطوة معاكسة، إذ قام بأخذ قائمة عربية تقف في مركزها حركة إسلامية ومرغها بوحل ائتلاف حكومي يميني صهيوني وقف على رأسه رئيس مجلس المستوطنات السابق، نفتالي بينيت، وما زال يسعى جاهدا لإعادة الكرة دون جدوى، وهو لهذا السبب يريد التحلل من أي قيود للشراكة العربية على غرار قائمة مشتركة أو غيرها.

في هذا السياق، فإن وجه الشبه الوحيد بين ردة الفعل على الحالتين، هو الاندفاع تحت وطأة الحماس اللحظي الذي لا يستند إلى تقييم منطقي للحالة، ويغيب عنه حساب أبعاد هذا السلوك وتداعياته، بما يشكله من انقلاب في الموقف بـ180 درجة، بشكل لا يتناسب مع عمق التحول في موقف الطرف الآخر، ويبدو غير متسق مع مواقفنا السابقة القريبة زمنيا، هذا ناهيك عما يعنيه ذلك بالمحصلة من تغشيش للناس وإشباعها بأوهام غير واقعية.

إذ يبدو أن قصاصة الورق التي اضطر منصور عباس إلى توقيعها "اغتصابا"، والتي تقضي بالتعهد مبدئيا بالعمل على تشكيل قائمة مشتركة، لم تغير شيئا من انهراقه نحو الدخول في الائتلاف الحكومي الذي يقبل به، على الرغم من أنه غير مرحب به في أي من المعسكرين حتى الآن، وهو الموقف الذي عبر عنه قبل أن يجف حبر التوقيع، وعلى العكس من ذلك هو يحاول استغلال هذا التعهد كورقة مساومة في مناوراته السياسية أمام الأحزاب الإسرائيلية المعنية.

فقد أعلن منصور عباس في أكثر من وسيلة إعلام عربية وعبرية أن توقيعه على التعهد بالعمل على إقامة قائمة مشتركة، لا يعني أي تغيير في موقفه المتعلق بالمشاركة في الائتلاف الحكومي ضمن ما سماه معسكر التغيير، مبررا ذلك بأنه يريد أن يكون في قلب الملعب السياسي وفي مركز اتخاذ القرارات، وليس على دكة الاحتياط، في إشارة إلى الأحزاب العربية الأخرى أو بعضها، وهو يدعي في هذا السياق أن القائمة المشتركة التي اتفق على إقامتها ستكون قائمة تعددية "تقنية"، تحترم التعددية السياسية، ينضوي تحتها من يدعم الاحتجاج ومحاولة التأثير من الخارج على نمط الجسم المانع، ومن يحاول التأثير في داخل الائتلاف أو في داخل الحكومة، مضيفا أنها يمكن أن تحافظ على وحدتها رغم هذا الانقسام في الممارسة السياسية، إلا إذا استحال التعايش في إطار ما يسميه عملية توزيع أدوار وتكامل، وأن الانفصال يحدث فقط إذا استحال التعايش بين النهجين.

وكما هو معلوم أن الخلاف الأساسي بين عباس وسائر الأحزاب العربية كان قد تمحور أصلا حول هذه النقطة، إذ طرح هو منذ البداية قائمة "تقنية" يستطيع كل طرف فيها بعد الانتخابات، والمقصود هو نفسه، التحلل من الشراكة والذهاب نحو المشاركة في الائتلاف الحكومي إذا تيسر له ذلك، فيما رفضت الأحزاب الأخرى هذا التوجه، وعرضت قائمة مشتركة على غرار التي تأسست عام 2015.

وعلى كل الأحوال، فنحن لا نعرف فيما إذا كان عباس قد نجح بإقناع باقي الأحزاب بوجهة نظره المتعلقة بالقائمة "التقنية" تلك قبل أن يدلي بهذه التصريحات، لأنه إن كان قد نجح بذلك، فإن الأمر يسجل لصالحه ولا يمثل انتصارا للأحزاب الأخرى، ولا يستدعي التلويح و"رفع الأيادي"، ويكون منصور عباس قد ضرب عصفورين بحجر واحد، كسب الرأي العام العربي الحالم بالوحدة المصفق لها والخروج مع 6- 7 أعضاء كنيست لقائمته يضمن معهم وصول ائتلاف بينيت - لبيد إلى الرقم 61.

(عرب 48)