إبستين، تهريب الوثائق، وتحولات الداخل الأميركي ... حين تنكشف الحقيقة الصهيونية

2026-02-02 / 23:41

Post image

بقلم :- فادي البرغوثي 

صحيح أن فضائح النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة تكشف عمق التحكم الإسرائيلي في مراكز القرار الأميركي، غير أن الأهم من ذلك هو أن هذه الفضائح، بدل أن تُرسّخ السيطرة، تُسهم في تسريع التحول داخل المجتمع الأميركي نفسه. فخلال حرب غزة، أدرك المواطن الأميركي العادي أن بلاده لم تعد تتصرف بوصفها قوة مستقلة، بل كدولة منقادة لإرادة إسرائيل، حتى عندما يتناقض ذلك مع مصالحها الاستراتيجية أو مع القيم التي طالما تبنّتها في خطابها العام.

هذا الإدراك لم يعد حكرًا على النخب النقدية أو التيارات اليسارية، بل تسلّل إلى قطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما ظهر بوضوح في المظاهرات التي عمّت المدن الأميركية رفضًا للعدوان على غزة، وفي الانقسام المتزايد داخل الجامعات ووسائل الإعلام، وحتى داخل الحزب الديمقراطي نفسه. غير أن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة، هو تلاقي هذا الوعي السياسي مع انكشاف أخلاقي–أمني من العيار الثقيل، تمثّل في قضية جيفري إبستين وما رافقها من تهريب وثائق وتسريبات ما زالت تتفاعل داخل بنية الدولة الأميركية.

فقضية إبستين لم تعد تُقرأ اليوم بوصفها جريمة فردية أو شبكة فساد معزولة، بل كنافذة تطل على نمط اشتغال أكثر تعقيدًا، حيث تلتقي السلطة بالمال وبالابتزاز الجنسي، لا سيما حين يتعلق الأمر بالقاصرات. ومع تسريب وثائق وشهادات جديدة، بدأ يتشكّل لدى الرأي العام الأميركي انطباع خطير مفاده أن بعض أدوات النفوذ السياسي لا تقوم فقط على اللوبيات والتمويل، بل على آليات ابتزاز أخلاقي وأمني تُستخدم لإخضاع سياسيين ورجال أعمال وإعلاميين.

في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه القضية عن طبيعة العلاقة الأميركية–الإسرائيلية. فحين تتسرّب وثائق حساسة، أو يُلمَّح إلى تهريب معلومات، ويترافق ذلك مع صمت رسمي أو تعطيل ممنهج لمسارات المحاسبة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل المجتمع الأميركي يصبح من يمتلك القدرة على الإخفاء؟ ومن يملك مفاتيح تعطيل العدالة؟ ولمصلحة من يُدفن هذا النوع من الملفات؟

وتزداد خطورة هذه الأسئلة في لحظة يُمارَس فيها ضغط مكثف على الولايات المتحدة للدخول في مواجهة عسكرية كبرى مع إيران. فغالبية المحللين الاستراتيجيين الأميركيين يؤكدون أن حربًا كهذه لا تخدم المصالح الأميركية، لا عسكريًا ولا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا. ومع ذلك، يستمر الدفع نحو التصعيد، لا عبر نقاش عقلاني حول الأمن القومي، بل من خلال مناخ ابتزاز سياسي وأخلاقي، يعيد إلى الأذهان تجارب حروب خاضتها الولايات المتحدة خدمة لأجندات خارجية، ودفع ثمنها المجتمع الأميركي نفسه.

في الوقت ذاته، تتآكل الأسس الثقافية والدينية التي شكّلت لعقود قاعدة الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل. فقد ارتبط جزء واسع من المجتمع الأميركي، خصوصًا في أوساط التيار الإنجيلي، بإسرائيل من خلال سرديات دينية وأسطورية جرى توظيفها سياسيًا، وقدّمت إسرائيل بوصفها تحقيقًا لنبوءات دينية وامتدادًا أخلاقيًا للحضارة الغربية. غير أن حرب غزة، وما رافقها من انكشاف غير مسبوق لجرائم الاحتلال، بدأت تُسقط هذه السرديات، لا سيما لدى الأجيال الشابة.

وفي هذا السياق، جاءت فضائح من طراز إبستين وما ارتبط بها من تسريبات وتهريب وثائق، لتشكّل صدمة إضافية. فالمجتمع الأميركي، رغم تناقضاته، ما زال يعتبر قضايا استغلال القاصرات والاعتداء الجنسي من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تبريرها. وعندما تتقاطع هذه القضايا مع السياسة والنفوذ، وتُطرح بوصفها أدوات ضغط، فإن صورة “إسرائيل الأخلاقية” تتهاوى داخل الوعي الأميركي، لا بفعل خطاب أيديولوجي، بل بفعل الوقائع نفسها.

قد يرى البعض في هذا التحليل مبالغة أو ربطًا غير مثبت بين الملفات، غير أن المؤشرات الاجتماعية والسياسية داخل الولايات المتحدة تشير إلى مسار مختلف. فالمجتمع الأميركي يعيش اليوم أزمة ثقة عميقة بمؤسساته السياسية والقضائية والإعلامية. وكل وثيقة تُهرَّب، وكل ملف يُغلق دون مساءلة، يعمّق هذا الشرخ، ويحوّل إسرائيل تدريجيًا من “حليف استراتيجي” إلى عبء أخلاقي وسياسي يصعب الدفاع عنه أمام الرأي العام.

غير أن ما يجري اليوم لا يشير إلى سقوط الولايات المتحدة كدولة أو كقوة عالمية، بل إلى تصدّع متزايد في الفكرة الصهيونية داخلها. فالعلاقة التي ظنّها قطاع واسع من الأميركيين قائمة على الدين والقيم، بدأت تنكشف على حقيقتها بوصفها علاقة نفوذ وإسقاط وابتزاز، لا علاقة إيمان أو أخلاق. وحين يدرك المواطن الأميركي أن هذا الارتباط لم يكن تعبيرًا عن قناعة دينية، بل نتيجة منظومة ضغط معقّدة استخدمت المال والإعلام والابتزاز الأخلاقي، فإن التحول الذي يحدث  في الوعي، الذي يؤثر على بنية الدولة.

هنا تكمن خطورة اللحظة على المشروع الصهيوني تحديدًا، لا على الولايات المتحدة. فالمسألة لم تعد تتعلق بقرار سياسي يمكن تعديله، بل بتآكل في الشرعية داخل المجتمع الأميركي نفسه، تآكل يصعب ترميمه مهما اشتدّ الضغط أو تغيّرت الإدارات. إن انكشاف الحقيقة، حين يحدث، لا يمكن احتواؤه بسهولة، وهو ما يجعل المرحلة الراهنة إحدى أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقة الأميركية - الاسرائيلية