الرؤية المستقبلية للصهيونية الدينية وإعادة تشكيل الضفة

2026-02-21 / 18:30

Post image

 

ياسر مناع:
 

بعد السابع من أكتوبر أصبح المجتمع الإسرائيلي والساسة في إسرائيل أكثر وضوحًا فيما يتعلّق بالفلسطينيين، إذ انتقلت مواقف كانت تُطرح بحذر أو بعبارات منمقة وحمالة أوجه إلى صياغات مباشرة وصريحة لا حاجة إلى تأويل أو تفسير. ويمكن القول إلى حدّ بعيد - دون الجزم القاطع - إن من يريد استشراف الخطوة القادمة في إسرائيل يجد مؤشرات مبكرة في خطاب بتسلئيل سموتريتش الذي بات يعبّر عن اتجاهات مركز القرار حول شكل التعامل مع الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقرّر عقدها في نهاية تشرين الأول المقبل، صعّد حزب الصهيونية الدينية نشاطه السياسي وضمن إطلاق حملته الانتخابية في 18 شباط 2026 من مصنع النبيذ في مستوطنة "بسجوت"- المقامة على اراضي محافظة رام الله والبيرة-. قدّم الحزب الحدث بوصفه مناسبة للاحتفاء بما اعتبره إنجازات "ثورة الاستيطان".

في هذا السياق، ألقى رئيس الحزب ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش خطابًا عرض فيه ما سمّاه "الخطة الاستيطانية 2030"، مستعرضًا الخطوط العريضة للرؤية السياسية التي يسعى إلى ترسيخها في المرحلة التي تلي الانتخابات ومحددًا الأولويات التي ينوي الدفع بها على مستوى الحكومة المقبلة، وتتقاطع هذه الخطة بصورة واضحة مع "خطة الحسم" التي طرحها عام 2017 من حيث المنطلقات والأهداف الجوهرية.

في مستهل خطابه دعا سموتريتش إلى استثمار ما تبقى من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع مسار سياسي اعتبره حاسمًا، واضعًا في مقدمته إسقاط فكرة الدولة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو على المستويين السياسي والعملي. قدّم هذه الخطوات بوصفها تصحيحًا لما اعتبره خللًا تأسيسيًا في العلاقة مع الفلسطيني منذ تسعينيات القرن الماضي. رأى أن أوسلو لم تعد إطارًا صالحًا لتنظيم العلاقة في الضفة الغربية وأن استمرار العمل بها يقيّد القدرة على فرض واقع سياسي جديد. انسجم هذا الطرح مع قرار المجلس الوزاري المصغر الأخير الذي عكس توجهًا رسميًا نحو إعادة النظر في الأسس التي حكمت المرحلة السابقة. اعتبر أن الظرف الحالي يتيح فرصة نادرة لإعادة تعريف المشهد السياسي في الضفة والانتقال من إدارة الصراع إلى حسم الصراع وفرض معادلات مختلفة على الأرض.

في هذا السياق، يرى سموتريتش بأن من مهام الحكومة الإسرائيلية المقبلة العمل على تشجيع هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن رؤية بعيدة المدى. لم يقدّم تفاصيل تنفيذية، إلا أن إدراج الفكرة في برنامج معلن أظهر أنها لم تعد هامشية في النقاش الداخلي. يتقاطع هذا الطرح مع إنشاء قسم للهجرة في وزارة الجيش خلال الحرب على غزة، وثار تساؤل حول ما إذا كان نطاق عمله سيظل مقتصرًا على القطاع أم قد يمتد إلى الضفة.

كذلك، تناول سموتريتش مسألة توسيع الاستيطان باعتبارها الأداة المركزية لترسيخ السيطرة الأمنية. دعا إلى إقامة مستوطنات جديدة وتسريع البناء في القائم منها، مشددًا على أن الانتشار الجغرافي المتواصل يشكل عنصرًا أساسيًا في تثبيت الوجود الإسرائيلي، فيما قدّم الاستيطان بوصفه مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد لا يقتصر على إضافة وحدات سكنية؛ بل يشمل إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والعمرانية في الضفة الغربية. وأشاد بنموذج الاستيطان الرعوي القائم على الرعي والزراعة لإقامة بؤر في مناطق مفتوحة خارج حدود المستوطنات التقليدية، ورأى أن هذا النموذج يوفر قدرة على الانتشار السريع في مساحات واسعة ويخلق حضورًا ميدانيًا دائمًا في مناطق بعيدة عن المراكز العمرانية الفلسطينية.

ربط هذا التوسع بالبُعد الديمغرافي، معتبرًا أن مضاعفة عدد المستوطنين في الضفة خلال السنوات المقبلة هدف مركزي. شدد على أن التفوق الديموغرافي والحسم العددي لصالح المستوطنين يمثل ركيزة في تثبيت الواقع الإسرائيلي. لم يحصر الطموح في الضفة، بل أدرجه ضمن تصور أشمل يمتد إلى النقب والجليل في إطار رؤية لإعادة التوزيع السكاني الاستيطاني في مناطق توصف بأنها ذات أهمية إستراتيجية.

تجسد هذا المسار في خطوات عملية. أولًا، أعلن سموتريتش عن عودة 17 عائلة إلى مستوطنة صانور جنوب جنين في الرابع من نيسان، بعد إخلائها عام 2005 ضمن خطة الانفصال، يترافق مع ذلك تعزيز انتشار الجيش في محيط المنطقة، وقدّمها كبداية لإعادة التمركز في مستوطنات أُخليت سابقًا.

ثانيًا، طرح برنامج استثمارات واسع في البنية التحتية داخل المستوطنات. شمل البرنامج شق طرق جديدة لربط التجمعات ببعضها وبالداخل الإسرائيلي، وتوسيع شبكات المياه والكهرباء، وتطوير المرافق التعليمية والصحية. قدّم هذه المشاريع باعتبارها أدوات لجذب عائلات جديدة وتعزيز الاستقرار الاستيطاني على المدى الطويل. أشار كذلك إلى العمل على تسوية أوضاع البؤر الاستيطانية التي أُقيمت في السنوات الأخيرة وإدماجها ضمن الإطار القانوني الإسرائيلي بما يمنحها وضعًا إداريًا مستقرًا ويتيح لها التوسع رسميًا.

حضر مفهوم الدفاع الطبيعي بقوة في مجمل الطرح. ركز على الخصائص الطبوغرافية للضفة الغربية، معتبرًا أن السيطرة عليها تشكل عنصرًا حاسمًا في حماية المراكز السكانية الإسرائيلية. ربط بين الانتشار الاستيطاني والقدرة على منع تهديدات مستقبلية وقدّم الاستيطان كجزء من منظومة دفاعية طبيعية أمام التهديدات الماثلة أمام إسرائيل، لا سيما بعد السابع من أكتوبر.

داخليًا، تناول أزمة تجنيد قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي بوصفها قضية تمس قاعدة حزبه مباشرة. قال إن جمهور الصهيونية الدينية يتحمل عبئًا كبيرًا من أيام الخدمة مقارنة بقطاعات أخرى في المجتمع الإسرائيلي. رأى أن هذا الواقع لا ينعكس بصورة عادلة في النقاش العام، وأن بعض الأطراف تستخدم القضية في الحملات الانتخابية عبر طرح حلول سريعة لا تعالج جذور المشكلة. شدد على ضرورة اعتماد مسار عملي يعيد توزيع الأعباء بصورة فعلية، بدل الاكتفاء بشعارات سياسية.

أقر بأن أزمة الاحتياط أثرت على صورة الحزب في استطلاعات الرأي، وظهرت في تراجع التأييد حتى في مستوطنات تعد تقليديًا من معاقل التيار الديني القومي مثل قدوميم. ومع ذلك عبّر عن عدم اقتناعه بأن الاستطلاعات تعكس النتيجة النهائية، وأبدى أملًا في تحقيق نتائج أفضل وربما الوصول إلى رقم مزدوج من المقاعد. ربط تجاوز الأزمة بقدرة الحزب على إقناع جمهور أوسع بما اعتبره إنجازات تحققت في مجال الاستيطان خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب تسويق هذه الإنجازات سياسيًا.

قدّم سموتريتش المرحلة المقبلة باعتبارها نقطة تحول تتجاوز المنافسة الانتخابية المعتادة. رأى في عام الانتخابات فرصة لإعادة توجيه المسار السياسي للدولة وتثبيت نهج مختلف عن السنوات السابقة. أشار إلى نية دفع تشريعات قضائية، من بينها فصل منصب المستشارة القضائية للحكومة وإعادة تنظيم صلاحيات بعض أجهزة إنفاذ القانون. عرض هذه الخطوات ضمن مسار يهدف إلى إعادة توزيع الصلاحيات داخل المؤسسات الإسرائيلية، وتعزيز قدرة الحكومة المنتخبة على تنفيذ سياساتها دون ما يراه قيودًا مؤسسية تعرقلها. يعكس هذا التوجه سعيًا لربط المشروع الاستيطاني بإعادة تشكيل البنية القانونية والسياسية للدولة بما يخدم رؤيته الشاملة.

(عرب 48)