دفء على حافة الريح
2026-02-27 / 13:34
فادي البرغوثي:
كنتُ أقول عن نفسي، بثقة طفلٍ يكتشف اسمه لأول مرة، إنني رجلُ الشتاء. ليس لأنني أكره الصيف، بل لأن الشتاء كان يعرفني أكثر مما أعرف نفسي. كان يطرق نافذتنا كما يطرق صديقٌ قديم باب البيت دون موعد، فنفتح له بلهفةٍ ونقول تأخرتَ هذا العام.
الشتاء عندي لم يكن فصلاً مناخياً، بل ذاكرةً كاملة. كان الكانون قلب البيت، نارًا صغيرة تشبه شمسًا أرضية، نجلس حولها كما لو كنا نعيد اختراع العائلة كل مساء. أذكر رائحة الكستناء وهي تتشقّق كقلوبٍ نضجت على مهل، وأصابع أمي وهي تقلّب البطاطا في الجمر كما لو أنها ترتّب مصائرنا الصغيرة. كان البخار يتصاعد من أكواب الشاي، وتتصاعد معه الحكايات، وأخبار القرية، وشيء من ضحكٍ دافئ لا يُشترى.
في تلك اللحظات، كان المطر موسيقى لا تحتاج إلى مؤلف. يهطل على السقف كأنه يكتب رسالة طويلة إلى الأرض، وأنا أجلس قرب كانون النار فأشعر أن العالم رغم قسوته يمكن أن يُختصر في غرفة، في عائلة، في جمر نارٍ لا يخون.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أكتشف أن الطفل الذي كنته لم يغادرني .... ما زلتُ حين يهطل المطر، أبحث عن زاوية دافئة، وأصغي إلى صوته كما لو أنه يوقّع اسمي. فما زلتُ أفرح حين تلتئم العائلة في غرفة واحدة، كأن الشتاء يعيد ترتيبنا حول مركزٍ خفيّ من الحنين.
لكن الشتاء ، ليس بريئًا تمامًا. ففي اللحظة التي أشعر فيها بالدفء، ينهض في داخلي سؤالٌ بارد عن أولئك الذين لا يملكون جدارًا يردّ عنهم الريح ... سؤال عن ماذا يحصل الان في غزة؟
هناك، في القطاع ، لا يكون المطر موسيقى، ولا يكون الشتاء ذكرى جميلة، بل ليلاً طويلاً من البلل وخياما مكشوفة ترتجف كأجساد أطفالها، وريحا تدخل بلا استئذان، وسماء لا تعرف السقف .... هناك، لا تجتمع العائلة حول كانون، بل حول خوفٍ واحد ..نعم خوف حول كم يصمد قماش الخيمة؟.
أشعر أحيانًا أن دفئي خيانة صغيرة وأن كل لقمةٍ ساخنة آكلها تحمل في جوفها صورة طفلٍ في العراء،. ليس لأن الفرح خطيئة، بل لأن الوعي يُفسد البراءة. لقد كنت اظن أن الشتاء حكاية شخصية، ثم اكتشف بانه سؤالٌ أخلاقي.
هل يجوز أن أفرح والمطر نفسه الذي يكتب على نافذتي قصيدة، يكتب هناك مأساة؟ هل أملك الحق في أن أستعيد طفولتي كاملة، بينما تُسرق طفولة كاملة في جهةٍ أخرى من الوطن؟ ادرك أن الشعور بالذنب لا يبني بيتًا، ولا يوقف ريحًا. لكن الشعور هو ما يبقينا بشرًا. ربما الشتاء الحقيقي ليس ما يهطل من السماء، بل ما يهطل من الذاكرة. وربما الدفء ليس حرارة المدفأة، بل قدرتنا على أن نشعر ببرودة الآخرين فكلما اقتربتُ من النار، أقترب أكثر من سؤال غزة. وكلما التفّت عائلتي حول مائدةٍ صغيرة، أرى في الطرف الآخر من الخيال عائلةً تلتفّ حول بطانية رطبة. هكذا يصير الفرح ناقصًا، لا لأنه ليس جميلًا، بل لأنه لا يُقسَم بالتساوي.
أنا رجل الشتاء، نعم. لكن الشتاء علّمني أن الدفء مسؤولية. وأن النار التي لا تمتدّ إلى غيرنا، تبقى نصف نار. وأن المطر، مهما كان شاعريا، لا يغفر لنا إن نسينا من يبتلّون تحته بلا مأوى.
ربما لهذا السبب، كلما هطل المطر، لا أكتفي بأن أمدّ يدي إلى المدفأة، بل أمدّ قلبي إلى هناك… حيث يقف الشتاء عاريًا، وتنتظر غزة قليلًا من دفءٍ لا يأتي..