من منطق السيطرة الى افق المنطقة ... لحظة الفرز التاريخي

2026-03-01 / 00:45

Post image

فادي البرغوثي:


في اللحظات التي تختلط فيها الدماء بالخرائط، وتسقط فيها الأقنعة عن الوجوه، لا يعود ممكناً الاختباء خلف عبارات التوازن الزائف أو الادعاء بأن المسافة واحدة من الجميع. نحن أمام صراع يتجاوز حدود الدول، ويتجاوز حتى طبيعة الأنظمة، ليصل إلى جوهر المعركة على هوية المنطقة وموقعها في معادلة الصراع الدولي. هنا لا يصحّ الحديث عن حياد، لأن الحياد في لحظة الاشتباك الوجودي ليس موقفاً أخلاقياً، بل هو انزلاق صامت إلى ضفة القوة الغالبة.

المواجهة الدائرة اليوم ليست بين دولتين تتنازعان على شريط حدودي، بل بين مشروعين ... مشروع تقوده الولايات المتحدة ومعها إسرائيل يريد تثبيت التفوق الإسرائيلي بوصفه قاعدة نهائية في المنطقة، ومشروع يرى في كسر هذا التفوق شرطاً أولياً لأي حديث عن استقلال أو سيادة .... طبعا في قلب هذه المعادلة تقف إيران، لا بوصفها ملاكاً منزهاً، ولا نموذجاً سياسياً مثالياً، بل باعتبارها القوة الإقليمية الوحيدة التي وضعت نفسها في موقع الاشتباك المباشر مع الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية.

قد يختلف العرب مع إيران في ملفات كثيرة، وقد يحملون عليها ملاحظات وانتقادات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤال الرضا أو عدمه، بل سؤال تحديد التناقض الرئيسي. هل التناقض مع مشروع يريد إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن خضوعها الكامل، أم مع قوة اختارت أن تنازع هذا المشروع وتشتبك معه؟ إن الخطأ في تحديد العدو المركزي كان، في تاريخ الأمم، مدخلاً إلى هزائم مضاعفة.

بعض الأنظمة العربية تظن أن سقوط إيران سيمنحها فسحة أمان، وأن إزالة هذا “الخصم المشاغب” ستفتح لها باب الاستقرار تحت المظلة الأمريكية. غير أن القراءة الاستراتيجية تقول إن منطق الهيمنة لا يعرف الشراكات الدائمة، بل يعرف الوظائف المؤقتة. حين تسقط القوة التي تقف في خط الدفاع الأول، يصبح الخط الذي يليه مكشوفاً. وحين يُزال العائق الأكبر أمام مشروع التفوق الإسرائيلي، لا يبقى ما يمنع انتقال الضغط إلى العواصم التي ظنت نفسها في مأمن.

لقد أثبتت التجربة أن إسرائيل لا ترى في محيطها العربي إلا مجالاً حيوياً لإعادة الترتيب، وأن مشروعها لم يكن يوماً محصوراً بحدود معينة، بل كان قائماً على تفتيت البيئة المحيطة وإبقائها في حالة عجز دائم. ومن يتابع الخطاب السياسي في الولايات المتحدة يدرك أن فكرة “الشرق الأوسط الجديد” ليست شعاراً إعلامياً، بل تصوراً قائماً على إعادة رسم التوازنات بما يكرّس التفوق الإسرائيلي ويحوّل الدول العربية إلى كيانات منزوعة القدرة على الفعل.

في هذا السياق، تصبح إيران بحكم موقعها وقدراتها وخياراتها سداً أولياً في وجه الاندفاعة الكاسحة. ليس لأنها تمثل الأمة، ولا لأنها بديل عن المشروع العربي الغائب، بل لأنها، موضوعياً، تعطل اكتمال السيطرة وتمنع تثبيت معادلة التفوق المطلق. وإذا سقط هذا السد، فإن الموجة لن تتوقف عند حدوده، بل ستمتد لتطال البقية، واحداً تلو الآخر.

الحديث عن الحياد في مثل هذه اللحظة يشبه الوقوف بين نارين والادعاء بأن الدخان لن يصل إليك لان الصراع بلغ درجة من الوضوح تجعل الاصطفاف مسألة وعي لا مسألة عاطفة. إما أن تقف في معسكر رفض الهيمنة، بكل ما فيه من تناقضات ونواقص، أو أن تجد نفسك ولو بالصمت في معسكر يسهّل اكتمال مشروع السيطرة.

ما اقصده هنا ليست الدعوة إلى تبني خطاب تعبوي أجوف، ولا إلى إلغاء النقد أو التغطية على الأخطاء، بل إلى إعادة ترتيب سلم الأولويات. حين يكون الخطر وجودياً، تتقدم معركة كسر الهيمنة على ما عداها، لأن بقاء القدرة على الاعتراض والنقد مرهون ببقاء حد أدنى من الاستقلال. أما إذا استُكمل مشروع السيطرة، فلن يبقى مجال لصوت معارض ولا لقرار سيادي.

إن اللحظات المفصلية في التاريخ لا تعترف بالمناطق الرمادية فيها يُعاد تعريف المواقع، وتُختبر الإرادات، وتنكشف الأوهام. ومن يظن أن بإمكانه أن يكون خارج المعادلة، سيكتشف متأخراً أنه كان جزءاً منها، ولكن من موقع المتلقي لا الفاعل. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل نؤيد هذا الطرف أو ذاك؟ بل أي مشروع يفتح أفق التحرر، وأي مشروع يغلقه إلى أمد طويل؟ وفي ضوء هذا السؤال، يتحدد الموقف، لا بالشعارات، بل بوعي طبيعة الصراع وجوهره.