الحرب على إيران وعبثية موقف النظام العرب

2026-03-05 / 19:25

Post image

 

سليمان أبو ارشيد:

ما يثير "الشفقة" في هذه الحرب هم "العرب" كدول قطرية ونظام سياسي جامع عالق في طوق الأزمة، وشعوب لا حول لها ولا قوة. وإن كانت الحرب على غزة التي فجرت هذا "الطوفان" الذي يضرب المنطقة قد كشفت عجزهم وقلة حيلتهم كجماعة فاقدة لأي قدرة على التأثير في الجغرافية السياسية التي تملأها ديموغرافيا، فإن الحرب على إيران أظهرت عبثية تموقعهم وسلبية دورهم بوصفهم حطب هذه الحرب وساحات رحى معاركها، علما أنها تدور على إعادة تشكيل المنطقة العربية وبسط هيمنة إسرائيل عليها.

لم يعد الحديث يقتصر على هيمنة أميركية أصبحت مهضومة ومقبولة لدى "العرب"، بل إنهم أصبحوا لا يستطيعون العيش بدونها، إنما عن هيمنة إسرائيل بوصفها الوكيل الوحيد لأميركا في المنطقة ومالكة الحق "الإلهي" و"الترامبي" على مقدراتها وعلى جغرافيتها من النيل إلى الفرات، ومطلوب من هذه الدول العربية "الصديقة" التي أغدقت التريليونات على ترامب دون طائل أن ترضى بدور الوكيل الثانوي وتسلم أوراق اعتمادها لإسرائيل.

لم يفطن "النظام العربي"، الذي سيطر الجسم الخليجي المعروف بارتباطه العضوي بالاستعمار البريطاني ومن ثم الأميركي، أنه عندما فتح أبواق التحريض على العراق وفتح أراضيه للجيوش الأميركية لاحتلال أراضيه وتفكيك مقدراته وتفتيت وحدة أرضه وشعبه، كان يقوم بالإخلال بالتوازن الدقيق في المنطقة، ويقوي بشكل غير مباشر ما كان يعتبر "عدو" العرب المشترك (إيران) التي سبق أن ألبوا صدام حسين وورطوه في حرب دامية معها، ولم يدركوا أن الأخيرة ستستغل انزياح القوة العربية الوحيدة الوازنة التي كانت تلجم نفوذها للتمدد وملء الفراغ الناتج عن هذا الغياب في العراق والخليج والمنطقة العربية عموما.

كذلك فإن هذا "النظام العربي"، عوضا عن أن يقوم، بعد وقوع الفأس بالرأس، بقبول تحدي المنافسة الإقليمية التي وضعته فيها الجارة الإسلامية، من خلال طرح مشروع تنموي نهضوي عربي يحشد ويوحد إمكانات الأمة ومقدراتها الهائلة في خدمة أهدافها القومية والوطنية ويضبط الإيقاع الداخلي ويفرمل الأطماع الخارجية إن وجدت، لجأ هذا النظام العاجز مرة أخرى إلى محاولة الاستعانة بالأجنبي الأميركي وحتى الإسرائيلي وخلق محاور مذهبية وتعزيز نزعات وصراعات طائفية (سني – شيعي) غريبة عن ثقافتنا وتغليبها على الصراع القومي مع إسرائيل، التي سيتم تحويلها إلى حليف ويجري تطبيع العلاقات معها دون حل القضية الفلسطينية.

وإن كان من الغرابة بمكان أن نجد هذه الدول العربية التي أسست ورسخت هذا التوجه المدمر في موقف المتفرجة على حرب الإبادة والتجويع التي شنتها إسرائيل على غزة، دون أن تقدم لها شربة ماء، فإن المفارقة هي أن نجدها تقف موضوعيا إلى جانب إسرائيل في الحرب التي تخوضها هي وأميركا بالوكالة لتدمير إيران وتفكيك مقدراتها وتفتيت وحدة أرضها وشعبها، كما فعلت في العراق.

المفارقة أن يقوم الجيش الأردني بصد الصواريخ الإيرانية العابرة من أراضيه في طريقها إلى إسرائيل، في وقت تلقي الأخيرة آلاف الأطنان من القنابل على رؤوس الإيرانيين، وكذا دول الخليج التي تتعرض القواعد الأميركية الكائنة في أراضيها لقصف بالصواريخ الإيرانية. وإن كنا لسنا من عشاق النظام التركي، فإنه قام على الأقل بوضع الأمور في نصابها عندما أعلن أن قوات الناتو الموجودة على أراضيه قد اعترضت صاروخا إيرانيا استهدف قواعدها.

هكذا تميزت تركيا، هنا أيضا، كما تميزت في السابق عن النظام الرسمي العربي عندما رفضت استعمال أراضيها وأجواءها من قبل القوات الأميركية الغازية في حرب العراق الأولى والثانية، وهي التي كانت أكثر المنتفعين إلى جانب إيران من غياب أو تغييب العراق عن الساحة الجيوسياسية، وأكثر المستفيدين موضوعيا من سياسة المحاور السنية – الشيعية، كونها شكلت موضوعيا رأس المحور السني، علما أنها نجحت بالرغم من ذلك في الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع إيران.

ويمكننا ملاحظة تدهور الموقف العربي من خلال تتبع مسار العلاقة الأميركية – الإسرائيلية – العربية خلال الحربين الأولى والثانية على العراق ومراحل الصراع الطويل مع إيران وصولا إلى الحرب الأخيرة، إذ حرصت إدارة الرئيسين بوش الأب والابن خلال حرب العراق الأولى والثانية على إبقاء إسرائيل جانبا، وحظرت عليها التدخل رغم ضربها بالصواريخ العراقية، وذلك احتراما لمشاعر العرب ولعدم إثارة حساسيتهم، هذا ناهيك عن محاولة خلق توازن معين عبر "تعويض" العرب من خلال القضية الفلسطينية بـ"مؤتمر مدريد" في الحرب الأولى و"خارطة الطريق" واعتراف أميركا بحق الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية في الحرب الثانية.

أما الحرب الأخيرة، ورغم أنه قد سبقها جباية ترامب لخمسة مليارات دولار من دول الخليج، ودعم عربي وإسلامي غير مشروط لخطته التي شكلت أكبر خديعة أوقعت فيها المقاومة في غزة، فإن أميركا بإدارته لم تستجب لجميع الوساطات والنداءات العربية بعدم فتح الحرب على إيران، رغم التحذيرات مما ستجلبه من أضرار وعدم استقرار على منطقة الخليج، كما أنها لم تراعِ أية حساسيات عربية أو إسلامية وهي تخوض هذه الحرب بشكل مكشوف وفاضح جنبا إلى جنب مع إسرائيل وخدمة لمصالحها، بل إن غالبية المحللين والمعلقين يجمعون على أنها حرب إسرائيل بامتياز، خاصة وأنها تسعى إلى إزالة حجر العثرة الأساسي في وجه هيمنة الأخيرة على المنطقة العربية، كما أنها ليس فقط لا تضمن أي تعويض بالعملة الفلسطينية مثلما جرى في حروب سابقة، بل تكرس احتلال غزة وعملية ضم الضفة الغربية وإحكام قبضة إسرائيل على المنطقة العربية بوصفها، وفق تعبير السفير الأميركي، حقا إلهيا من النيل إلى الفرات.

(عرب 48)