الأسرى وتجريدهم من الحماية القانونية: أبعاد التشريع الجديد وجريمة الإبادة الجماعية

2026-03-31 / 17:06

Post image

 

طاهر تيسير المصري:

يُشكل إقرار الكنيست الإسرائيلي لتشريع يجيز فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط من حيث مضمونه العقابي، بل من حيث ما ينطوي عليه من تقويض ممنهج للضمانات الأساسية التي أرساها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. فالتشريع المذكور لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تعديل في السياسة الجنائية، بل كتحول نوعي نحو إضفاء طابع "قانوني" على ممارسات تمس جوهر الحق في الحياة وتتناقض مع القواعد الآمرة في القانون الدولي.

ينطلق الحق في الحياة، بوصفه حقاً أصيلا وملازماً لكل إنسان، من مكانة مركزية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، كما كرسته المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تُلزم الدول بحمايته وتحظر الحرمان التعسفي منه. وحتى في الدول التي لم تُلغ عقوبة الإعدام، فقد قُيد تطبيقها بشروط صارمة، من أبرزها حصرها في "أشد الجرائم خطورة"، واشتراط صدورها عن محكمة مختصة تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة، فضلاً عن كفالة حق طلب العفو أو تخفيف العقوبة، غير أن التشريع الإسرائيلي محل البحث يتجاوز هذه القيود، سواء من حيث نطاق تطبيقه أو من حيث البيئة القضائية التي يُنفذ ضمنها.

وفق هذا السياق، لا يمكن إغفال أن الأرض الفلسطينية المحتلة تخضع، وفق قواعد القانون الدولي، لنظام الاحتلال الحربي، بما يرتب انطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب. وبموجب هذه الاتفاقية، يعد غالبية الأسرى الفلسطينيين من فئة "الأشخاص المحميين" بوصفهم مدنيين واقعين تحت الاحتلال، وليسوا مقاتلين نظاميين. أما في الحالات التي يمكن أن تنطبق عليها صفة المقاتل، فإن هؤلاء يُفترض أن يتمتعوا بوضع أسرى حرب وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، وما يترتب على ذلك من ضمانات محددة. غير أن السلطة القائمة بالاحتلال تنتهج مقاربة مزدوجة، إذ تحرم المدنيين من الحماية المقررة لهم كأشخاص محميين، وفي الوقت ذاته ترفض الاعتراف بمن تنطبق عليهم صفة المقاتل كأسرى حرب، بما يؤدي إلى تجريدهم جميعاً من منظومة الحماية القانونية التي كفلتها قواعد القانون الدولي.

إلى جانب ذلك، فإن فرض التشريعات الوطنية للدولة القائمة بالاحتلال على سكان الإقليم المحتل يتعارض مع القواعد المستقرة في اتفاقيات لاهاي للعام 1907 واللائحة الملحقة بها، التي تحد من سلطة القوة القائمة بالاحتلال في إحداث تغييرات تشريعية جوهرية تمس البنية القانونية للسكان الواقعين تحت الاحتلال. ومن ثم، فإن إخضاع الأسرى الفلسطينيين لقانون عقابي إسرائيلي داخلي، يتجاوز في ذاته حدود الولاية القانونية المسموح بها دولياً.

ولا يقف الإشكال عند حدود مخالفة قواعد الاختصاص أو القيود الموضوعية على العقوبة، بل يمتد إلى طبيعة النظام القضائي الذي يُحاكم من خلاله الأسرى الفلسطينيون. إذ تُحال غالبية هؤلاء الأسرى إلى محاكم عسكرية تفتقر، بحسب تقارير حقوقية دولية، إلى الحد الأدنى من معايير المحاكمة العادلة، في ظل معدلات إدانة مرتفعة للغاية تصل إلى أكثر من (99%)، الأمر الذي يثير شكوكاً جدية حول استقلالية هذه المحاكم ونزاهتها. وفي ظل هذا الواقع، فإن إصدار أحكام بالإعدام لا يمكن اعتباره إجراءً قضائيا مشروعا، بل يندرج في إطار الحرمان التعسفي من الحق في الحياة.

وأيضا، يثير هذا التشريع إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ عدم التمييز، إذ يستهدف فئة محددة على أساس الهوية الوطنية والإثنية، بما يعزز بنية قانونية تمييزية تتنافى مع القواعد القطعية التي تحظر التمييز العنصري. ولا يقتصر الأمر على مجرد أثر تمييزي، بل إن طبيعة هذا القانون وتوجهه تكشفان بوضوح عن كونه قانوناً عنصرياً في جوهره، يعكس عقلية استعلائية تقوم على المفاضلة بين البشر على أساس الانتماء القومي والإثني، بما يفرغ مبدأ المساواة أمام القانون من مضمونه، ويحول العدالة الجنائية إلى أداة للهيمنة والإقصاء حد القتل.

إن خطورة هذا القانون لا تقتصر على كونه انتهاكا منفردا أو حتى مركبا لقواعد القانون الدولي، بل تتجاوز ذلك إلى كونه جزءاً من سياق أوسع يمكن قراءته في إطار الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. فحين يُقترن استهداف جماعة قومية بعينها بتدابير تشريعية تسهّل سلب حياتها، أو تضفي الشرعية على القتل المتعمد خارج الضمانات القضائية الحقيقية، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول توافر عناصر القصد الخاص اللازم لقيام جريمة الإبادة الجماعية، لا سيما إذا جاء هذا التشريع في سياق أوسع من الممارسات التي تلحق أذى جسيماً بأفراد هذه الجماعة أو تفضي إلى إهلاكهم تدريجياً.

وفي هذا الإطار، لا يمكن عزل هذا القانون عن الواقع القائم داخل أماكن الاحتجاز، حيث تشير المعطيات إلى سياسات ممنهجة من التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي المقصود، أدت إلى وفاة أعداد متزايدة من الأسرى. إن تراكم هذه الأفعال، إلى جانب سنّ تشريعات تتيح الإعدام، يعزز من فرضية وجود نمط سلوكي متكامل يستهدف جماعة محمية، وهو ما يستوجب تقييماً قانونياً جاداً في ضوء أحكام الاتفاقية المذكورة.

كما يعكس هذا التشريع تحولا مقلقا في سلوك القوة القائمة بالاحتلال، يتجاوز مجرد الإخلال بالالتزامات الدولية إلى مستوى تحدي المنظومة القانونية الدولية برمتها. فبدلا من الامتثال للقواعد الآمرة، أو حتى محاولة تأويلها بما يخدم مصالحها، باتت تتجه نحو سنّ قوانين تتعارض بشكل صريح ومباشر مع هذه القواعد، في دلالة على نزعة متصاعدة لوضع نفسها فوق القانون الدولي، والتنصل من أي قيود قانونية أو أخلاقية تحكم سلوكها.

إن التشريع الذي يجيز فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين لا يمكن فصله عن بنية قانونية وسياسية أوسع تسعى إلى تقويض الحماية المقررة لهم بموجب القانون الدولي. وهو، في جوهره، لا يمثل فقط انتهاكا للحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة، بل يجسد أيضا قانونا عنصريا صريحا، ويعكس عقلية تمييزية استعلائية، ويعتمد على إنكار متعمد للصفة القانونية للأسرى، سواء كمدنيين محميين أو كمقاتلين تنطبق عليهم صفة أسرى حرب، بما يؤدي إلى تجريدهم من أي حماية قانونية فعالة. وفي سياقه الأوسع، قد يُشكل هذا التشريع أحد مظاهر الأفعال التي تندرج ضمن أخطر الجرائم الدولية، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية، الأمر الذي يستدعي تحركا دوليا جادا لا يقتصر على الإدانة، بل يمتد إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، حماية لما تبقى من فاعلية النظام القانوني الدولي.