غزة .. مدينة عريقة تواجه التدمير والتهجير القسري

2025-09-25 / 04:46

Post image


 

غزة - من جديد، يجد سكان مدينة غزة وشمال القطاع أنفسهم في رحلة نزوح قسرية نحو الجنوب، بعدما كانوا قد عادوا إلى بيوتهم عقب اتفاق 19 كانون الثاني/يناير 2025، الذي نصّ حينها على عودة النازحين إلى مخيماتهم ومدنهم المدمّرة.

لكن أوامر الإخلاء المتكررة التي أصدرها جيش الاحتلال المصحوبة بقصف وحشي وتفجير عشرات العربات المفخخة قلبت المشهد رأسًا على عقب، لتبدأ موجة جديدة من التهجير والضياع.

منظمة "أطباء بلا حدود" حذّرت من أن أكثر من مليون إنسان في غزة يعيشون اليوم "رعبًا متجدّدًا"، بعدما باتت المدينة مغلقة في وجه الحياة، ومفتوحة فقط على الموت.

كبار السن والحوامل والجرحى لا يملكون القدرة على الفرار، ومن يبقى يحكم عليه القصف الإسرائيلي بالإعدام، فيما يتعرض الفارون أنفسهم لغارات متلاحقة، لتتحول رحلة النزوح إلى مطاردة بالدم والنار.

المنظمة وصفت ما يحدث بأنه "إبادة جماعية ممنهجة"، مؤكدة أن إسرائيل تستخدم أسلحة مدمّرة صُممت لمعارك الجيوش، لكنها تُجرَّب اليوم على مخيمات مكتظة بالمدنيين.

 

إخلاء بلا ملاذ

إلى جانب إخلاء مدينة غزة، يصدر جيش الاحتلال أوامر بإخلاء مناطق مكتظة في الوسط والجنوب بين الفينة والاخرى، بما فيها مواصي خان يونس والنصيرات ودير البلح، وهي ذاتها المناطق التي سبق أن وُصفت بالآمنة. لكن القصف لم يستثنِ هذه البقع، بل طالها بعنف، ليكتشف النازحون أنهم يتنقلون من موتٍ إلى موتٍ آخر.

محمود علوان، من حي الأمل بخان يونس، قال للمركز الفلسطيني للإعلام: "خرجنا على عجل تحت أصوات الانفجارات. ظننا أننا سنجد في النصيرات أمانًا، لكن القصف سبقنا إليها. أسرتي المكوّنة من تسعة أفراد تسكن اليوم مع أقاربنا، فلا بيت متاح ولا قدرة على استئجار مأوى".

صهيب الفقعاوي عاش تجربة أكثر قسوة، بعدما عاد إلى أنقاض منزله قرب مستشفى الهلال الأحمر بخان يونس، وأقام خيمة مؤقتة فوق الركام. لكنه لم يهنأ بها سوى أيام قليلة قبل أن تقتحم الدبابات المكان من جديد، قائلا: "نعيش بين الكرّ والفرّ. حتى خيمة صغيرة لا تصمد أمام طائرات الاستطلاع التي لا تفارق سماءنا".

أما خالد علي، من شمال خان يونس، فيصف الحياة بأنها "مقامرة يومية مع الموت". بقي في بيته المدمّر مع أسرته لأنه لا يملك تكلفة النزوح، قبل أن تقتحم الدبابات المنطقة فجأة: "هربنا حفاة تحت الرصاص، وافترشنا الشوارع غرب دير البلح. لم يعد هناك مكان يمكن أن يسمى ملاذًا".

 

لا مكان آمن

واكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أنه في الوقت الذي تكثف فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي هجومها العسكري عبر الجو والبر والبحر على مدينة غزة لتدمير المدينة ومنظومتها الصحية وتهجير سكانها قسرًا إلى جنوب وادي غزة، فإنها تستبيح هذه المنطقة أيضًا وتستهدفها بالقصف الجوي وارتكاب جرائم القتل الجماعي؛ في ترسيخ لحقيقة أنه لا يوجد أي مكان آمن في قطاع غزة، ما يؤكد الادعاءات الإسرائيلية بشأن وجود "مناطق آمنة” أو “إنسانية".

ووفق المركز الحقوقي، فإن قوات الاحتلال كثفت من استخدام الروبوتات المفخخة بأطنان من المتفجرات وسط الأحياء السكنية الجنوبية والشرقية والشمالية لمدينة غزة، مع تواصل القصف الجوي الذي يستهدف المنازل ومراكز الإيواء في جميع أنحاء مدينة غزة، مع إصدار أوامر تهجير متكررة يوميا تطالب السكان والنازحين بالانتقال إلى جنوب وادي غزة.

وشهدت الساعات الأخيرة توسيع قوات الاحتلال هجومها البري في عدة محاور من المدينة، إذ وصلت آليات الاحتلال صباح امس الاول إلى بعد نحو كيلو متر من مجمع الشفاء الطبي من الناحية الشمالية، فيما تتمركز دبابات الاحتلال في محيط جامعة القدس المفتوحة في حي النصر، إلى جانب التمركز في أجزاء من حي الشيخ رضوان، فيما وصلت آليات الاحتلال إلى محيط الجامعات في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، رافق ذلك قصف جوي ومدفعي وإطلاق نار كثيف من آليات الاحتلال.

 

نزوح بلا نهاية

تتعمد إسرائيل –وفق منظمات حقوقية– فرض واقع تهجير قسري شامل: إخلاءات متكررة، قصف عشوائي يستهدف الأحياء والبنية التحتية، ومناطق "آمنة" تتحول إلى مصائد موت.

وحتى حين يحاول النازحون العودة إلى بيوتهم المدمرة، يجدونها غير صالحة للسكن بعد أن فجّرها الاحتلال أو حولها إلى مناطق عسكرية.

وبينما يحصي الغزيون شهداءهم ويبحثون عن مأوى وسط ركام المدن، تتكرس لدى السكان قناعة أن "الترحيل قدر محتوم"، وأن كل محاولة للبقاء في الأرض تقابلها إسرائيل بالقصف والاجتياحات، في مشهد يختصر أكبر عملية نزوح قسري تشهدها فلسطين منذ النكبة.


(عن المركز الفلسطيني للإعلام)