قمة بلا ضمير ... حين يتحول "السلام" إلى أداة لتصفية القضية الفلسطينية

2025-10-12 / 10:46

Post image

فادي البرغوثي:
 
في لحظةٍ تُدفن فيها الحقيقة تحت ركام غزة، يُطلّ علينا الغرب بمؤتمرٍ جديدٍ للسلام، تُباركه واشنطن، وتشارك فيه دولٌ عربية تتذرع بالواقعية السياسية. ولكن ما يبدو "واقعيةً" في الخطاب الدبلوماسي، ليس سوى تطبيعٍ جديد مع الجريمة. فالولايات المتحدة التي أعطت الضوء الأخضر لآلة القتل في غزة، هي نفسها التي تعود اليوم لتُعلن عن "مؤتمر سلام"، كأن الذين ماتوا ليسوا من حساب البشر، وكأنّ الدم الفلسطيني قابلٌ للمحو بمجرد توقيعٍ على بيانٍ ختامي.
ما يجري ليس مسعىً لإنهاء الحرب، بل إعادة ترتيبٍ للمنطقة على أنقاض غزة. فالمطلوب من هذا المؤتمر ليس إحياء عملية السلام، بل إحياء اتفاقيات أبراهام بثوبٍ جديد، بعد أن تهشّم مشروع التطبيع تحت ضغط الرأي العام العربي وفضائح المجازر اليومية. فها هي الإدارة الأمريكية تحاول أن تعيد بناء الجسر بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل، مستغلةً مأساة غزة، لتقدّم للعالم مشهدًا يوحي بأن “السلام ممكن”، ولكن سلامًا بلا عدالة، وبلا مساءلة، وبلا فلسطين.
إنّ هذا النمط من المؤتمرات يذكّرنا بما يمكن تسميته بـ "السياسة بعد المذبحة"، حيث يُمنح الجاني فرصة لتصوير نفسه كوسيطٍ للسلام، فيما تُغَيَّب الضحية عن المشهد. فالقضية الفلسطينية تُفرّغ من مضمونها السياسي والتحرري، لتتحول إلى ملفٍ إنساني يُدار بالمساعدات، لا قضية تحرر وطني تُدار بالنضال.
والسؤال الذي يُطرح هنا لماذا يتم تجاوز قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة، رغم أن السلطة تطرح – على الأقل – حلولًا واقعية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية؟ الجواب لا يكمن فقط في ضعف السلطة أو انقسامها، بل في النية المبيتة لدى واشنطن وتل أبيب، منذ إدارة ترامب، لتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا. فقد أراد ترامب وفريقه أن يُسقطوا الشرعية عن القيادة الفلسطينية التي لا تزال، نظريًا، ترفع شعار الدولة على حدود 1967، لأنها رغم كل تناقضاتها تُبقي على فكرة القضية كقضية سياسية، لا إنسانية فقط.
أما حماس، التي وجدت نفسها في قلب المعركة، فقد صارت في نظر كثيرين العقبة الأخيرة أمام مشروع التصفية. لكنها أيضًا لا تستطيع أن تحصل على أي مكسب حقيقي دون وحدة وطنية شاملة. فالإشكال الجوهري أن كل طرف فلسطيني يقف اليوم في موقعٍ دفاعي، فيما الطرف الأمريكي الإسرائيلي يمسك بخيوط اللعبة، ويعيد هندسة المشهد وفق مصالحه.
إن ما يجري هو محاولة شطب منظمة التحرير، وتهميش حركة فتح، واحتواء حماس، لصياغة مشهدٍ فلسطيني جديد بلا مؤسسات شرعية، وبلا مشروع تحرر وطني، بل بمجموعة سلطاتٍ محلية تُدار بالتمويل الأجنبي وتحت رقابة الاحتلال.
القضية الفلسطينية، التي كانت محور الصراع العربي–الإسرائيلي، يجري الآن اختزالها إلى ملف “إنساني–أمني”. يُراد من الفلسطيني أن يقبل فتات المساعدات، بينما تُقدَّم إسرائيل للعالم بوصفها الدولة التي “تدافع عن نفسها”، وتُمنح من جديد الشرعية الأخلاقية التي سقطت عنها في غزة.
إن مؤتمر السلام الذي تتحدث عنه واشنطن ليس سوى استثمارٍ في نسيان الجريمة، ونسيان القتلى، ونسيان جوهر الصراع.
تريد أمريكا أن تُعيد إنتاج خطاب "ما بعد الحرب"، حيث براد من الضحية أن تصمت كي "تُعطى فرصة للحياة"، بينما يُكافأ القاتل بالاعتراف والضمانات الأمنية.
القضية الفلسطينية اليوم أكبر من كل التنظيمات، وأعمق من أي انقسام داخلي. فهي ليست قضية سلطةٍ تبحث عن تمويل، مقاومةٍ تبحث عن شرعية، بل قضية شعبٍ يبحث عن معنى لوجوده تحت الاحتلال.
وإذا لم تُدرك القوى الفلسطينية أن هذا المؤتمر هو خطوة على طريق التصفية لا التسوية، فإن التاريخ سيُعيد نفسه بشكلٍ أكثر قسوة: حيث تتحول دماء الشهداء إلى ورقة تفاوض، وحيث يُقدَّم “السلام” كبديلٍ عن العدالة.
وعلى التنظيمات الفلسطينية أن تدرك أن الخطر يداهم الجميع، وأن الانقسام لم يعد ترفًا سياسيًا، بل تهديدًا وجوديًا.
بالتالي على فتح أن تدرك أن الجري وراء الولايات المتحدة لا يفيد شيئًا،و وأن واشنطن لا تبحث عن دولة فلسطينية، بل عن إدارة فلسطينية تُدير ما تبقى من الأرض والناس.
وعلى حماس أن تدرك أن المواجهة مع العالم، بكل ألاعيبه وموازين قواه، لا يمكن أن تُخاض منفردة، وأن المقاومة بدون وحدة سياسية تتحول مع الوقت إلى عزلةٍ قابلة للاحتواء.
أما السلطة الفلسطينية فعليها أن تعي أن الاستمرار في هذه السياسة لا يعني البقاء، بل التحول إلى سلطة بالاسم فقط، كما هو الحال الآن؛ سلطة بلا سيادة، وبلا قرار، وبلا رؤية.
القضية الفلسطينية أكبر من الجميع، وهي ليست ملكًا لأي فصيل أو زعيم.
إنها اختبارٌ للضمير الإنساني، وللقدرة الفلسطينية على تجاوز الذات.
وكل من يعتقد أن بإمكانه أن ينجو وحده من مشروع التصفية، سيفيق متأخرًا على حقيقةٍ واحدة فقط وهي أن من لا يوحّد قضيته، يُمحى منها.