تعرضت للتشويه وسرقت منها أعضاء.. رحلة صعبة ومؤلمة في التعرف على جثامين الشهداء المفرج عنها
2025-10-21 / 13:20
نافذة- في مستشفى ناصر حيث جثامين الشهداء، أبحث عن جثمان أخي محمد، علّي أجده بينهم، ولكن للأسف، لم استطيع التعرف عليه من شدة ما لاقت أجسادهم من تعذيب وأهوال.. هكذا عبر الفنان الفلسطيني باسل شاهين، في منشور له عبر حسابه على "فيس بوك"، عن رحلته والعائلة في التعرف على جثمان شقيقه الشهيد محمد، الذي ارتقى خلال اليوم الأول من معركة "طوفان الأقصى".
وأضاف شاهين: "قلت لنفسي لعله أسير، لعله ما زال على قيد الحياة، لعله نال ما تمنى فقصف وتحول جسده الطاهر إلى أشلاء.. لعله ولعله ولعله.. هي تساؤلاتك نواسي أنفسنا بها لعلها تكون بلسماً لجراحات قلوبنا ولا أظن".
حال "باسل" كحال مئات العائلات التي تهافتت على مستشفى ناصر جنوب قطاع غزة للتعرف على أبنائهم عبر مشاهدة الجثامين التي أفرج الاحتلال عنها بموجب صفقة تبادل الأسرى.
وسلم الاحتلال حتى كتابة هذا التقرير 135 جثمانا، دون أية أسماء أو معلومات، في مشهد يعكس أفظع أشكال الجرائم الصهيونية، حيث كشفت وزارة الصحة الفلسطينية ومؤسسات حقوقية عن فظائع ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الجثامين، وأظهرت الفحوص الأولية أن العديد منها تعرضت للتنكيل والتشويه وسرقة الأعضاء الحيوية، في واحدة من أبشع الجرائم التي تستهدف اجساد الشهداء.
البحث عن ملامح زوج
فاطمة هنية، زوجة الشهيد خليل هنية، واحدة من عشرات النساء اللواتي توافدن إلى مستشفى ناصر في خانيونس أملاً في العثور على أحبائهن.
وقالت فاطمة بصوت يختنق بالبكاء لـلمركز الفلسطيني للإعلام: "منذ بدأت الجثامين تصل تباعاً، وأنا أبحث بين الصور. أفتش في الوجوه، وفي الأجساد الممزقة، لعلّي أتعرف عليه. لم يخبرني أحد بشيء، فقط قالوا إن جثمانه ربما يكون بين الشهداء الذين أفرج الاحتلال عنهم".
خليل كان أسيراً في إحدى المدارس التي حولها الاحتلال إلى مركز اعتقال مؤقت خلال العدوان على غزة، وبعد الإفراج عن عدد من الأسرى ضمن المرحلة الأولى من صفقة التبادل الأخيرة، حيث أفاد بعضهم بأن خليل توفي أمامهم في المعتقل.
وبحسب ما أكدت مؤسسة "الضمير لحقوق الإنسان"، فقد حصلت العائلة على إفادة رسمية تفيد باستشهاده في كانون الاول/ديسمبر 2024 داخل سجن عسكري إسرائيلي.
وتقول فاطمة: "أعرف أنه شهيد، لكن قلبي يريد أن يودّعه، أن ألمس جسده، أن أعرف أنه عاد".
رحلة فاطمة لا تختلف عن رحلات عشرات العائلات التي اصطفت أمام برادات الموتى في مستشفى ناصر، وهي تحمل صور أحبائها، وعيونها وتبحث بين الجثامين التي بدت وكأنها تحمل رسالة واحدة: أن الاحتلال لم يكتفِ بقتلهم، بل نهش أجسادهم أيضاً.
سرقة أعضاء الشهداء
وتحدث رئيس دائرة الطب الشرعي في وزارة الصحة بغزة الدكتور أحمد ظهير، عن مشاهد صادمة وصفها بأنها "خارجة عن كل الأعراف الإنسانية والطبية".
وبين ظهير، في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام، بأن من بين الجثامين التي سلمها الاحتلال، جثامين وصلت في حالة تحلل متقدمة، وأخرى تعرضت لعمليات تشريح وسرقة منظمة للأعضاء، كاشفا عن ملاحظتهم غياب قرنيات العيون، والأكباد، والكلى، وحتى أجزاء من القلب.
وأوضح أن بعض الجثامين وُجدت محشوة بالقطن بدلاً من الأعضاء الداخلية، في محاولة لإخفاء آثار السرقة أو التلاعب.
ويشير إلى أن فرق الطب الشرعي تعمل حالياً على توثيق هذه الحالات بالتعاون مع مؤسسات حقوقية دولية، لتقديم ملف قانوني متكامل حول جرائم سرقة الأعضاء البشرية التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق الشهداء الفلسطينيين.
وأشار رئيس دائرة الطب الشرعي كذلك إلى احتجاز الاحتلال مئات الجثامين فيما يُعرف بـ"مقابر الأرقام"، حيث تُدفن الجثث في ظروف غير إنسانية، دون هوية، ويتم التعامل معها كـ"ملفات أمنية" لا كأرواح بشرية.
ويرى أن كل ما حدث ليس مجرد انتهاك، بل سادية منظمة يمارسها الاحتلال، فـ "حتى الشهداء لم يسلموا من بطشهم، وكأنهم يخافون من الجسد بعد أن خمدت فيه الحياة".
ويعتقد ظهير أن الاحتلال "عبر هذا السلوك، يحاول طمس هوية الشهداء وحرمان عائلاتهم من الوداع والدفن الكريم، وهو ما يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب اتفاقيات جنيف"، وفق قوله.
تنكيل وانتقام
ويرى المختص بشؤون الأسرى والمحررين حسن عبد ربه، أن ما جرى مع جثامين الشهداء يمثل امتداداً لسياسة ممنهجة من التنكيل والانتقام، يمارسها الاحتلال ضد الفلسطينيين أحياءً وأمواتاً.
وقال عبد ربه، في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام، إن الاحتلال لا يكتفي بقتل الفلسطيني، بل يحرص على إذلاله حتى بعد موته، سواء باحتجاز جثمانه لسنوات أو بتشويه جسده قبل تسليمه، وهذه ليست أخطاء فردية، بل نهج رسمي قائم على العنصرية والانتقام.
ووثّقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، منذ عام 1967 احتجاز الاحتلال أكثر من 450 جثمان شهيد فلسطيني في مقابر الأرقام والثلاجات الإسرائيلية، كثير منها تمت سرقة أعضائه قبل دفنه أو بعد إخراجه.
وأكد عبد ربه أن تحقيقات أجرتها مؤسسات دولية مستقلة أشارت إلى "وجود منظومة إسرائيلية متكاملة تعمل على سرقة الأعضاء من جثامين الفلسطينيين"، تحت غطاء ما يسمى بـ "الفحوص الطبية العسكرية".
وأكد عبد ربه أن ما حدث مع جثامين الشهداء يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لفتح تحقيق أممي شفاف، مشدداً أن الاحتلال يحاول طمس الأدلة وإفشال أي محاولة لتشريح الجثامين قبل تسليمها.
ويعتقد أن هذه الجريمة لا تمس فقط كرامة الشهداء، بل تمس كرامة الإنسانية جمعاء، مؤكداً أن العالم اليوم أمام اختبار أخلاقي وقانوني، هل سيصمت على سرقة أعضاء الموتى الفلسطينيين كما صمت على قتلهم؟